الكرامة الخامسة:فقدت البصر.. ولكن لم تفقد الأمل

فقدت البصر.. ولكن لم تفقد الأمل

      نعمة البصر، تلك النعمة الإلهية العظيمة التي منّ بها على عباده، جوهرة مكنونة لا يعرف كنهها إلا من فقدها، ولا يعرف قيمتها إلا من حرم الاستفادة منها، فيكون الفاقد لها قد ابتلي ببلاء كبير وهول عظيم لا يعرف مقداره إلا من اضاعه ويئس من رجوعه، وهذا ما حصل مع الفتاة(منى جمعة) وهي في ريعان شبابها، إذ تعرضت لحادث مأساوي أدى إلى فقدانها هذه النعمة، فأصبحت فاقدة للبصر، ولم تفلح معها علاجات الاطباء ومراجعة مراكز الاختصاص..

     في الثالث من شهر شعبان المعظم وبعد أن وصلت أسرة الفتاة(منى) إلى طريق مسدود في وجود العلاج الناجع لابنتها ولسنتين من المحاولات وما رافقها من مشاعر الأسى والحزن لمصاب ابنتهم، عقدت العزم للتوجه إلى ملاذ المؤمنين وسيد الموحدين علي بي أبي طالب(عليه السلام)، الذي حباه الله تعالى بالكرامات العظيمة والمنزلة الرفيعة..

      فتوجهت اسرة (منى) في اليوم التالي إلى مثوى افئدة المؤمنين، إلى ارض النجف الاشرف، وهي تقطع تلك المسافة الطويلة من ارض مدينة ميسان-حيث كانت تقطن تلك الاسرة-، تلك المدينة المعروفة بحبها العميق وتمسكها المنقطع النظير بأهل البيت(عليهم السلام)، وولائهم المطلق لهم.. فحثت الخطى بساعات طويلة وهي تقطع مئات الكيلومترات، وقد امتزجت قلوبهم بآيات الدعاء والابتهال إلى الباري عز وجل بفكرهم، وأصبحت شغلهم الشاغل، إلى ان وصلت إلى مشارف مدينة امير المؤمنين(عليه السلام)، فتعلقت القلوب بحبائل الرحمة الإلهية، وعنوان المغفرة، واختارت المسير بسكينة إلى تصل إلى ذلك المرقد الشامخ..

     وما أن وصلت أسرة (منى) إلى الموقف الموجود في نهاية شارع الطوسي وتراءت لها تلك القبة الشامخة لمرقد أمير المؤمنين(عليه السلام) حتى اجهشت بالبكاء، ودخلت بذلك العالم الملكوتي المهيب، إذ لا وجود للماديات فيه، وراحت الطمأنينة والسكينة تدخل في قلبها المسكين الذي اعيته احزان مصاب ابنتهم (منى)، فراحت تتوجه بكل كيانها إلى ذلك القرب الإلهي، وأخذت تنتقل في الشارع المؤدي إلى المرقد الطاهر بكل سكينة ووقار إلى ان وصلت إلى باب الدخول، فاستأذنت استئذان الدخول، ثم اطلقت لعيونها الدموع وراحت

       إلى مرقد أمير المؤمنين ولاذوا بالضريح المقدس حتى تعالت أصواتهم بالتكبير والصلاة على محمد وآل محمد بخشوع وصدق وإيمان يهز شغاف القلب لصدقه فتقدم أحد ذويها منها وقربها من الضريح المقدس، وما أن أمسكت بالضريح وراحت تكبر وتصلي على محمد وآل محمد وهي تبكي بكاءً حاراً، حتى وجدت نفسها أن النور عاد إلى عينيها بمشيئة الله عز وجل فراحت تهتف بالصلاة على محمد وآله وتردد بصوت يخنقه العبرة (لقد أنعم الله تعالى علي برّد بصري بشفاعة أمير المؤمنين عليه السلام)، فكبر الناس بأعلى أصواتهم ممن كان قريباً منها، ومع تكبيرات ذويها، فأبتهج الجميع بشفاء هذه البنت الطاهرة بإذن الله تعالى وببركة أمير المؤمنين عليه السلام[1].

 

 

 

----------------------------------------------------------

[1] ينظر: علاء حيدر المرعبي, مع أريج الفائزين بكرامات أمير المؤمنين.