نشوء الحركة العلمية في النجف

محمد جواد الفقه

       ان من يكتب عن تاريخ النجف يشعر وكانه يكتب عن كل الناس ويتوجه الى العالم ، حتى لكأن خصوصيات هذه المدينة تخص كل البشر ، وتفاصيلها تهم كل العالمين ، ففي سكانها نماذج من كل سكان الارض ، وفي حياتها الاجتماعية ومواسمها الدينية والثقافية ، وطريقة بنائها وسلوك اهلها وانماط حياتهم تتفاعل مع تراثات البشرية في بوتقة واحدة ، ليكون تراث واحد مميز وواقع جديد ، هو : النجف ... وكفى .

      لقد اكتسبت هذه المدينة المقدسية كيانا خاصا يميزها عن سائر الحواضر والمدن في عالمنا الاسلامي ، ذلك لانها كانت ولا تزال مصدر عطاء ديني وعلمي وفكري ، وخزينا نادرا لشطر كبير من تراثنا العربي والاسلامي سيما المتمثل منه بعلوم الفقه ، والاصول ، والحديث ، والفلسفة ، مضافا الى التراث الادبي العام والثقافي الشامل .

      لقد جاهد اولئك الافذاذ ، واجهدوا انفسهم ، لا سيما الاوائل منهم ، فصبروا على جشوبة العيش في تلك المدينة التي كانت تفتقر لكثير من متطلبات الحياة بما في ذلك " مياه الشفة " ، كما صبروا في وجه الحملات العسكرية والضغوطات السياسية التي كانت تستدفهم ومدينتهم في فترات مختلفة ومن جهات عدة ، واكبر شاهد على ذلك سورها " سور النجف " الذي لا زالت بقاياه ماثلة حتى اليوم للعيان تحكي قصص الصمود والتحدي !

      نعم ، صبروا ولا يزالون صابرين في سبيل الحفاظ على ذلك الخزين من التراث الفكري الاسلامي والعربي من اجل ايصاله الى الاجيال ، المعاصرة منها والاتية .

       النجف ... رغم الكوارث والنكبات التي مرت بها ، بقيت صامدة ، وظل قلبها الكبير نابضا بالحياة ، مما يبرهن على مدى حيويتها ومناعتها وقوتها ، الدينية منها والفكرية .

       ولا غرابة في ذلك ، فهي مدينة علي عليه السلام باب مدينة علم النبي صلى الله عليه واله وسلم حيث ورد في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه واله وسلم انه قال : " انا مدينة العلم وعلي بابها " .

       لذلك كله ولارتباط النجف الوثيق بالفكر الاسلامي الذي انبثقت منه الحضارة الاسلامية ، ان قيمتها الحضارية والفكرية والدينية سوف تستمر وتزداد وتكبر .

   نشوء الحركة العلمية في النجف

       ومن اجل ان نصل الى تحديد تاريخي لبدء الحياة العلمية لهذه المدينة وتطورها فيما بعد الى " جامعة علمية واسعة العطاء " علينا ان نستعرض تاريخها العلمي لننتهي الى ما نصبو اليه مستعينين على ذلك بما قدمه الباحثون والمؤرخون واهل الاختصاص في هذا المجال .

       والمؤرخون وان لم يذكروا شيئا عن نشوء الحركة العلمية في النجف وتحديدها بالضبط على نحو النص الصريح ، الا ان ذلك لا يمنعنا من الاستفادة من بعض الوقائع والحوادث المتصلة بالنجف او بزائريها فيما نحن بصدد اثباته الان .

       فمن البديهي والمؤكد ان عهد الشيخ الطوسي كان عهد نهضة فكرية علمية في النجف بل كان عصره بشكل عام كذلك ، ولكن السؤال الذي يثار هو : كيف كانت النجف قبل عصر الشيخ الطوسي ؟؟

مكانة النجف العلمية

 قبل هجرة الشيخ الطوسي اليها

        ان طبيعة البحث الموسوعي تقتضي الاحاطة التامة والاستقصاء الشامل للموضوع الذي يتناوله الباحث ، وهذا ما يلزمنا فعلا فيما نحن فيه نظرا لكونه واحدا من البحوث التي تتناولها موسوعة " النجف الاشرف " .

ان من الممكن ان نختصر هذا الموضوع باسطر ، او بصفحات ! لكن ذلك سوف يخرجنا عما نحن فيه ويسلب عن بحثنا صفة " الموسوعية " فلذا وجب علينا ان نتوسع قدر الامكان في هذا الموضوع ضمن حدود الافادة والابتعاد عن التكرار الممل .

      والسؤال المطروح هو التالي : ما هي المكانة العلمية للنجف الاشرف قبل هجرة الطوسي اليها ، وكيف كانت ؟؟

      وللاجابة على هذا السؤال لابد لنا من حصر الاراء حوله ، ومن ثم مناقشتها وهي تتلخص في اربعة اراء .

الراي الاول : " ان النجف كانت قاحلة علميا ، وعند هجرة الشيخ الطوسي اليها اوجد فيها حركة علمية " .

وهذا الراي يعتبر ضعيفا ولا يستند الى قاعدة ، وذلك لامرين :

       الاول : ان سيرة المسلمين الثقافية انطلقت من المساجد ، فالمسجد هو مصدر الثقافة كما هو مصدر العبادة ، فهو القاعدة والمنطلق لكلا الامرين معا منذ انتقال المسلمين من دور الدعوة الى تاسيس الدولة وقيامهم بعمارة اول مسجد في المدينة .

        لقد غرب عن بال هؤلاء ان المساجد في مدن المسلمين وقراهم كانت الى عهد قريب مدارس ومنتديات فكرية يرتادها المسلمون على اختلاف طبقاتهم ليتزودوا فيها بما يثري ارواحهم من طرق العبادة ، وعقولهم بالتعلم والتعليم بالخوض في ميادين الفقه والتفسير والحديث ، وهذا امر وجداني لا يسع احدا انكاره .

      من هنا ، فان مرقد الامام علي (عليه السلام ) من اوضح مصاديق المسجدية ان لم نقل ان النجف بشكل عام كانت بطبيعة الحال تحتوي على بعض المساجد التي تقام العبادة والحلقات التثقيفية الدينية ، فنفي الحركة العلمية المطلقة عن هذه البلدة قبل وفود الشيخ الطوسي اليها راي غير مقبول بتاتا .

       الثاني : النصوص التاريخية الصريحة في وجود فقهاء قبل الطوسي بسبعين سنة او اكثر ، وهي التالية :

أ‌-     اورد السيد ابن طاوس ( وهو من المختصين بتاريخ النجف ) بان عضد الدولة البويهي زار المشهد العلوي الطاهر عام 371 ه وتصدق واعطى الناس على اختلاف طباقاتهم ، وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة الاف درهم .

ب‌-وجود علماء نسبوا الى النجف قبل عهد الطوسي ، ومنهم :                                                                                                                              

1-احمد بن عبد الله الغروي ن يروي عن ابان بن عثمان من اصحاب الامام الصادق (ع) .

 2-شرف الدين بن علي النجفي ، وصفه الشيخ الطوسي بقوله : " كان صالحا فاضلا " .

 3-عبد الله بن احمد بن شهريار ابو طاهر ن كان معاصرا للشيخ المفيد ، يروي عنه ابو جعفر محمد بن جرير الطبري ، والنجاشي في كتاب الامامة .

 4-احمد به شهريار ابو نصر الخازن للحضرة الغروية ، كان من رجال العلم وحملة الحديث معاصرا للشيخ الطوسي .

 5-النقابة في النجف ، وهذا المركز اقرب الى الروحي منه الى السياسي ، سيما النقابة الهامة التي من شروطها كون النقيب عالما من اهل الاجتهاد ليصح وينفذ قضاؤه .

ويعرفونهم شرائطه ، يعني رئيسا متقدما عليهم ، وكانوا اثني عشر نقيبا كلهم من الانصار .

على هذا الاساس نفهم ان النقابة بمجملها تعني الرئاسة على فئة معينة مع تحمل المسؤولية تجاه ما يصدر منهم من مخالفات للقوانين المرعية .

 " نقابة الاشراف "

 وهي خاصة ، وعامة .

 النقابة الخاصة : ان يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها الى حكم واقامة حد ، فلا يكون العلم معتبرا في شروطها ، ويلزمه في النقابة على اهله من حقوق النظر اثنا عشر حقا .

1-حفظ انسابهم من داخل فيها وليس هو منها ، او خارج عنها وهو منها ، حتى يكون النسب محفوظا .

2-تمييز بطونهم ومعرفة انسابهم حتى لا يخفى عليهم منهم بنو اب ، ولا يتداخل نسب في نسب ، ويثبتهم في ديوانه .

 3-معرفة من ولد منهم من ذكر او انثى ، ومعرفة من مات منهم من ذكر او انثى فيشبته ومعرفة من مات منهم فيذكره حتى لا يضيع نسب المولود ان لم يشتبه ن ولا يدعي نسب الميت غيره ان لم يذكره .

 4-ان ياخذهم من الاداب بما يضاهي شرف انسابهم وكرم محتدهم ، لتكون حشمتهم في النفوس موقورة ، وحرمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيهم محفوظة .

 5-ان ينزهم عن المكاسب الدنيئة ، ويمنعهم من المطالب الخبيثة ، حتى لا يستقل منهم مبتذل ولا ينضام منهم متذلل .

 6-ان يكفهم عن ارتكاب الماثم ويمنعهم من انتهاك المحارم ليكونوا على الدين الذي نصره اغير ، وللمنكر الذي ازالوه انكر ، حتى لا ينطق بذمهم لسان ، ولا يشناهم انسان .

 7-ان يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم ، والتشطط عليهم لنسبهم ، فيدعوهم ذلك الى المقت والبغض ، ويبعثهم على المناكرة والبعد ، ويندبهم الى استعطاف القلوب وتآلف النفوس .

 8-ان يكون عونا لهم في استيفاء الحقوق حتى لا يضعفوا عنها ، وعونا عليهم في اخذ الحقوق منهم حتى لا يمنعوا منها .

 9-ان ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في الفيء والغنيمة التي لا يخص به احد حتى يقسم بينهم بحسب ما اوجبه الله لهم .

 10-                    ان يمنع اياماهم ان يتزوجن الا من الاكفاء لشرفهن على سائر النساء صيانة لانسابهن ، وتعظيما لحرمتهن ، ان يزوجهن غير الولاة ، او ينكحن غير الكفاة .

11-                    ان يقوم ذي الهفوات منهم اما سوى الحدود بما لا يبلغ به حدا ولا ينهر به دما ويقبل ذا الهيئة منهم عثرته ، ويغفر بعد الوعظ زلته .

12-                    مراعاة اوقافهم بحفظ اصولها وتنمية فروعها .

       بعد هذا كله لا يمكننا نفي الحركة العلمية في النجف قبل الطوسي ، وبذلك يتضح بطلان القول انها كانت " قاحلة علميا قبل الشيخ الطوسي ..." .

      ومن هنا انبثق راي قوي مدعوم بالادلة التي ذكرناها وهو :

       الراي الثاني : القائل بوجود حركة علمية ذات جذور عميقة تاريخيا ، نجهل امتدادها ولكن لا يمكننا انكار حقيقة وجودها ، وما ذكرناه آنفا فيه الكفاية لاثبات ذلك .

      وقول السيد محمد باقر الصدر قدس سره " ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي الى النجف لم يشيروا اطلاقا الى ان تلامذته في بغداد قد رافقوه او التحقوا به فور هجرته " الخ ... هذا القول يؤيد ما اردنا اثباته !

 فمن اين كان لديه ذلك العدد من الطلاب في النجف بعد استقراره فيها ؟؟

      لا شك – في هذا الحال – ان قسما منهم كان موجودا في النجف ان لم نقل جلهم ، وهذا يعني ان الجو العلمي كان سائدا فيها ، لكن الشيخ الطوسي طوره ، ونظمه وحول المدينة ذلك الوقت الى حاضرة علمية تشد اليها الرحال من كل حدب وصوب .

      الراي الثالث : وجود حركة علمية منظمة من حيث مناهج الدرس وترتيب الحلقات الفكرية وتوزيع الرواتب الشهرية على الاساتذة ، والطلاب كما في بغداد على عهد الشريف المرتضى والشيخ المفيد ...الخ ... ولكن مجيء الشيخ الطوسي زاد في زخم تلك الحركة وتوسيعها وتثبيتها ، وان الشيخ المفيد نفسه هو الذي اسس هذه الحركة الثقافية الدينية ، وذلك ، عندما انتقل الى النجف من بغداد ، او ( عند نفيه منها – على حد تعبير بعض المترجمين - ) من قبل السلطة المسؤولة ، وذلك بسبب ما حصل هناك من الاختلافات والثورات الطائفية فاختار الشيخ النجف الاشرف !

      الراي الرابع : ان المساجد بشكل عام – كما قدمنا – كانت المنطلق الوحيد لنشر الثقافة ، وقد عرف منها تاريخيا ، مسجد المدينة ، ومسجد الكوفة ، ومسجد البصرة ، ولم تعرف النجف قبل الطوسي بانها كانت بهذه المثابة ن نعم لا يخلو الامر من وجود حركة ثقافية محدودة ، ووجود بعض رجال العلم فيها ، وهذا لا يعني انها جامعة علمية دينية .

      لذا يمكن القول ان الشيخ الطوسي هو المؤسس للنجف الاشرف كجامعة على غرار مسجد الكوفة والبصرة ، اضافة الى انه وضع مناهج معينة للدرس مع الانفاق الشهري على الاساتذة والتلاميذ .

     ونظرا للافاضة في البحث الذي تتطلبه منا هذه الموسوعة ، فاننا نثبت هنا ما جاء في كتاب " حديث الجامعة النجفية " للمرحوم الشيخ محمد رضا شمس حيث قال :

     يحسن بنا قبل الشروع في حديث النجف اليوم وحياتها العلمية والدينية والثقافية . ان نتطلع من شرفة التاريخ على ماضي النجف للتعرف على مؤسس جامعتها العلمية . واول واضع لحجرها الاساسي – في معنى من معاني الجامعة ، او في معناها البسيط - .

     وهذه ناحية مهمة . لها صلة بحاضرنا وبالنجف اليم . صلة قوية يتكفل ببيانها هذا الافتتاح .

      ومن دواعي الاسف ان اهمل البحث عنها علمائنا القدماء وطلاب النجف امس . كما اهملوا غيرها مما يتعلق بامهم الحنون التي غذتهم العلم والدين والادب ...

      ولجماعة من العلماء المتاخرين ىراء – سوف نذكرها – تخالف ما نذهب اليه من ارجاع تاسيس الجامعة النجفية الى عهد الامام علي (ع) الذي هو اول من شيد ركنها الاساسي . ووضع حجرها الذهبي .

وستاتي حجة هذا الراي والدليل عليه . وتفنيد الراي الاخر والرد عليه .

وحدة النجف والكوفة

            ومن الادلة التي اقمناها على هذا الراي – من جملة ادلة كثيرة ذكرناها في سياق هذا الحديث – ما يدل من التاريخ والحديث على وحدة النجف والكوفة – والذي يوهم الفرق استقلال كل منهما بتاريخ واسم خاص – اذ الكوفة لم تزل عامرة حتى القرن الثامن الهجري أي بعد اتصال الكوفة بالنجف " والنجف بالكوفة " وقبل ان تبدأ الاولى بالتقهقر العمراني والخراب . والثانية بالتقدم والعمران .

        ومن كلمات المؤرخين قولهم : ان الجامع الشريف كان في قلب مدينة الكوفة ، وعليه فتدخل النجف فيها لقربها اذا اضفنا الى ذلك سعة الكوفة وكبرها في ذلك العصر .

وجار في التاريخ وفي كثرة من الاحاديث بالنسبة لتعيين قبر الامام علي (ع) انه بالكوفة .

الى غير هذا وذاك مما يستدل على الوحدة بين المدينتين ( النجف والكوفة ) وان فرق بين هذه وتلك – الا بالاسم – وان الكوفة ما بدات بالتقهقر والنجف بالتقدم الا بعد ان اتصلنا وكلفت الاولى الثانية برعاية المدرسة الدينية وحفظ حوزتها العلمية . التي بذر نواتها الامام علي بن ابي طالب (ع) .

 وربما استدل ايضا – على الوحدة المدعاة – بالخرائط القديمة للكوفة – كالخارطة التي وضعها المستشرق الافرنسي المعروف المسيو ( ماسنيون ) عن الكوفة في القرن الثاني الهجري .

ورغم الاميال التي تفرق بين النجف والكوفة اليوم لا تهدد وحدتها بل هي على شرفة الزوال ايضا ..

 علوم وفنون

 واحسب ان هذا الدليل – او هذا التقريب – وحده غير كاف في اثبات ما ندعيه الا اذا اضفنا الى ذلك لمحتين – تتميما للبحث - :

لمحة تبين المدى البعيد الذي وصلت اليه العلوم الاسلامية والفنون العربية في الكوفة .

ولمحة اخرى تبين الاثر الكبير الذي تركه الامام علي (ع) وخلفه الائمة عليهم السلام في الكوفة من المحبين والموالين والتلاميذ والعلماء والفنون والعلوم .

 اما الاولى فبعد ان استقر المسلمون في الكوفة ولا سيما في العصر الاموي اشتهرت بالعلوم الاسلامية من الحديث والفقه والتفسير والفنون العربية من العروض والصرف والنحو الذي اسسه الامام علي (ع) .

 وكانت الكوفة في ذلك العصر مول العلم والادب . وملتقى العلماء والشعراء والادباء . كانوا يزدحمون في المساجد والنوادي والبيوت وكان فيها حلقات للمناشدة والمفاخرة ومجالس للمذاكرة والمناقشة هي كسوق ( عكاظ ) في الجاهلية . حتى اخرجت مئات من النحويين واللغويين والمحدثين والمفسرين والادباء والشعراء الشهيرين .

ومن لم يسمع بابي الطيب المتنبي ودعبل الخزاعي والاصمعي والخليل بن احمد والسكيت بن زيد الاسدي والكسائي وجابر بن حيان الذي يقول عنه الاستاذ ( بزتيلو ) الفرنسي صاحب كتاب " تاريخ الكيمياء في القرون الوسطى " ان اسمه ينزل في تاريخ الكيمياء بمنزلة اسم ارسططاليس في تاريخ المنطق " .

 ولهذا العالم المفكر " ابن حيان " مؤلفات كثيرة منها " رسائل جعفر الصادق " في خمسمائة رسالة طبعت في اوروبا . وفيها صرح بتلمذته على الامام الصادق (ع) واخذ الكيمياء عنه وفي ذلك يقول بعضهم :

         حكمة اورثناها جابر          عن امام صادق القول وفي

        لوصي طاب في تربته          فهو كالمسك تراب (النجف)

" بقيت ليلة كاملة مع ابي الحسن علي ( ع) وهو يشرح لي " بسم الله الرحمن الرحيم " .

مدرسة علوية

       والناحية الاخرى التي لمحنا تكميلا للتقريب السابق وتمهيدا للبحث الاتي هي ان الكوفة كانت على الرغم من اختلاف نزعاتها وكثرة احزابها معروفة بالعلوية والتشيع – حتى اذا اراد احد ان يقول انه شيعي قال كوفي كما قال ابو تمام الذي ولد بالشام المعروفة في ذلك الوقت بالاموية ومع ذلك فهو كوفي مذهبا وهذا معنى قوله :

       وكوفي ديني على ان منصبي          شآم ونجري اذا ذكر النجر

        وقد دخلها الامام علي (ع) بعد وقعة الجمل ونزل اول ما نزل – في جامع الكوفة – لا في القصور كغيره من الولاة – فاخذه مصلى له ومعبدا ومدرسة يدرس ويخطب ويقضي فيه بين الناس .

وقد تخرج من هذه " المدرسة العلوية " الكبرى امثال ابي الاسود الدؤلي وعبد الله بن عباس " حبر الامة " الذي يقول عن استاذة

 "بقيت ليلة كاملة مع ابي الحسن علي ( ع) وهو يشرح لي " بسم الله الرحمن الرحيم " .

 وقد قام بعد علي امير المؤمنين (ع) في التعهد بمدرسته العلوية اولاده واحفاده عليهم السلام حتى جاء دور الامام الصادق ( ع ) – الذي كان في ايام ابي العباس السفاح – وقد فسح له الزمان فرصة استطاع فيها ان تدرس ويحاضر ويفيد اكثر من غيره من الائمة عليهم السلام .

وعلى قلة استيطان الامام الصادق ( ع ) بالكوفة فقد تخرج عليه علماء كثيرون . حتى الف الحافظ ابو العباس بن عقدة الهمداني الكوفي كتابا في اسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الامام الصادق ( ع ) فذكر ترجمة اربعة الاف شيخ .

ويقول الحسن بن علي الوشا البجلي [ اني ادركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد الصادق ( ع ) ] .

 والنتيجة من هذا النقل او صلته بهذا البحث يتضح في اللائحة التالية :

تلامذة وموالون

       واذا عرفنا من اللمحة الاولى " علوم وفنون " سعة العلوم الاسلامية " في الكوفة " وشهرتها بالفنون الادبية استنتجنا منه " او اتضح منه " ما قلنا قبل عن جامعة الكوفة ومدرستها العلمية والادبية – التي خلفتها النجف الاشرف في ذلك – وهي وان لم تكن كمدارس هذا العصر او جامعاته لكنها متحدة معها في الروح او الاثر .

 ويتضح لنا من اللمحة الثانية ( مدرسة علوية ) الوقوف على طريق ذي شعبتين كل منهما توصلنا الى الهدف الذي نحوم حوله وما نحن بصدده .

شعبة توقفنا على القول بان الكوفة مركز تلامذة علي ( ع ) ومقر تلامذة اولاده واحفاده ... وهذا القول الذي نحصل منه ان هؤلاء التلاميذ لابد انهم كانوا يترددون على قبر علي ( ع ) بعد وفاته ويبقون عنده اياما وليالي يدرسون عنده . لان قبره يبعثهم على الجد والنشاط فكأنما هو بينهم والى جنبهم – كما يدل على هذا احاديث . ياتي بعضها في محله .

 والشعبة الاخرى – التي يتضمنها الموضوع السابق " مدرسة علوية " التي تعطينا ان الكوفة كانت عاصمة شيعة علي ( ع ) ومركز محبيه ومواليه فلابد ان هؤلاء الذين والوه واحاطوا به في حياته ان يثبتوا على الولاء ويحيطوا بقبره بعد وفاته حبا به وخوفا عليه من النبش والتمثيل به من قبل الاعداء وخشية عليه من الضياع ايضا.

فيبعد ان يترك الائمة عليهم السلام ويدع المحبون ليا عليه السلام من الصحابة والتابعين قبر ابن عم الرسول صلى الله عليه واله وسلم في ارض بغير مجاور له ولا محافظ عليه مهما بلغت السياسة من الضغط والشدة على انه في محيط مواليه . وبين قوم عرفوا بالتشيع والحب له . وكان فيهم الامراء وذوو السلطة القوية .

فيتضح من الشعبة الاولى قدم الدراسة في النجف ومن الشعبة الثانية قدم المجاورة فيها التي صاحبتها الدراسة العلمية .

البناية الاولى

واذا كانت البناية الاولى على القبر هي السبب الاول في جذب الناس اليه والداعي لمجاورة العلماء له – وانها النواة الاولى لايجاد روح علمية – حبا بالشخصية الاسلامية الدفينة هناك . فباستطاعتنا ان نثبت من التاريخ ان بنابة الرشيد " في سنة 180 ه " ليست الاولى " كما يظهر من كلام الاستاذ الدخيلي نقلا عن " نزهة القلوب " بل كان قبلها بنايات عديدة كما حدثنا التاريخ عن بنابة داود بن علي المتوفي سنة " 133 ه " وحدثنا في رواية عن صفوان قال : قلت للامام الصادق ( ع ) يا سيدي اتاذن لي ان اخبر اصحابنا من اهل الكوفة به ؟ فقال : نعم . فاعطاني الدراهم واصلحت القبر " . وكانت هذه قبل عهد الرشيد بزمان .

 وممايدل على ان الدراسة كانت مصاحبة للمجاورة ما حدثنا به التاريخ ان محمد بن زيد العلوي الداعي الصغير – صاحب طبرستان المتوفي 287 ه – بنى – في النجف الاشرف – قبة وحائطا فيه سبعون طاقا .

فهذه الاطاقات في هذه البنية هي كالزوايا في البناية الاولى التي انشئت بعدها على عهد البويهيين – كما عبر عنها ابن بطوطة - ، وهذه الزوايا ، وتلك الاطاقات هي كالغرف والاواويين الموجودة اليوم التي هي كمدرسة تصلح لسكنى الطلاب ومركز دراستهم .

ولعل البنايتين المتقدمتين ، كانتا كهذه وتلك ذات اطاقات وزوايا او اواوين ن وغرف – كما تسمى اليوم - .

 النقابة النجفية

 واذا كانت النقابة المعروفة في نظام الدول الاسلامية امس . من دعائمها وشروطها العلم واقامة الحدود . والحكم بين العلويين وحل خصماتهم والدفاع عنهم . فان النجف الاشرف اخذت حظا وافرا من هذه النقابة ورئاستها الجليلة ومنصبها السامي العظيم .

كما حدثنا التاريخ الاسلامي بذلك عن رجال كثيرين " تولوا النقابة في النجف " امثال شمس الدين ابو القاسم وناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمد الحسن والسيد شريف الدن محمد المعروف بابن السدرة الذي سافر الى النجف سنة 308 ه حتى توفي فيها .

الى غير هؤلاء من النقباء الطالبيين العلويين الذين تولوا نقابة الاشراف في النجف الاشرف منذ القرن الاول ، او الثاني للهجرة حتى اخر عهد للنقابة .

وهذا البحث التاريخي فيه دلالة على قدم مجاورة العلويين لقبر الامام علي ( ع ) مضافا الى قدم العلم والعلماء في النجف الاشرف .

شاعر قديم يقول

 ومما يدل على قدم العلم والعلماء . وقدم مجاورتهم . وسكنى العلويين لقبر الامام علي ( ع ) قول شاعر قديم يعرف بابي عبد الله الحسيني البغدادي الشيعي المشهور بابن الحجاج – الذي كان في عصر السيدين ( الرضي والمرتضى ) والمتوفي سنة 391 ه – حيث يقول : ( عندما زار النجف ) من قصيدة مطلعها :

يا صاحب القبة البيضاء على ( النجف)                  من زار قبرك واستشفى لديك شفي

 الى ان يقول – وفيه الشاهد - :

وقل سلام منالله السلام على                             اهل السلام واهل العلم والشرف

 واهل السلام ( في البيت ) بمعنى اهل وادي السلام ، وهم الاموات في مقبرة النجف الكبرى – التي تعد اول مقبرة اسلامية . وثاني مقبرة في العالم . اذا عدت مقبرة ( الفاتيكان ) بايطاليا الاولى - .

واهل العلم والشرف الذين عناهم الشاعر هم العلماء المجاورون لفبر الامام ( ع ) . الذين ليس لهم غرض من تلك المجاورة الا العلم والدين كاكثر سكان النجف والمجاورين لها اليوم .

 كلمات لمؤرخين

وهذه كلمات المؤرخين تشهد على سبق العلم وقدم الدراسة وسكنى العلماء ومجاورة العلويين في النجف الاشرف امس .

فهذا " ابن الاثير " يحدثنا في تاريخه ان دراسة العلم في النجف بدات منذ القرن الثالث الهجري ، وبلغت اوج عظمتها في عهد عضد الدولة احد الملوك البويهيين حيث اطلق الصلات لاهل العلم ورجال الدين المقيمين في الغري وغيرهم من ذوي الفاقة .

 وهذا " ابن طاوس " يروي لنا في فرحته عن يحيى بن عليان الخازن بالقبر الكريم انه وجد بخط البرسي المجاور بمشهد الغري على ظهر كتاب بخطه .

قال توجه عضد الدولة عام 371 ه الى المشهد الشريف الغروي . وزار الحرم المقدس . فكان مما فرقه على العلويين الف وسبعمائة درهم لكل فرد منهم احد وعشرون درهما – وعلى المجاورين خمسمائة الف درهم . وعلى المترددين مثلها . وعلى الناحة – الذين ينوحون على الحسين (ع) – الف درهم . وعلى الفقراء والفقهاء ثلاثة الاف درهم .

 وربما يقال ان من هذه الكمية المالية الاخيرة للفقهاء ثلاثة الاف درهم التي تقابل كمية وافرة بالدينار العراقي – نعرف كمية العلماء او كثرة الفقهاء الموجودين في النجف الاشرف حوالي هذا التاريخ 371 ه .

 ومن وجودهم حوالي هذا التاريخ نعرف ايضا انهم سبقوه بمدة طويلة اذ يبعد عادة مجيئهم دفعة واحدة بل كان ذلك بالتسلسل والتدريج .

 وهذه الكلمات ، وغيرها من عبارات المؤرخين توضح لنا الفكرة التي نحوم حولها ، وتوقفنا على الحقيقة التي فتشنا عنها التي اهتدى اليها قوم ، وضل عنها آخرون .

 راي في الموضوع

     ومع كل هذه الادلة – او هذه الصفحات البيضاء التي تبرز لنا فكرة نراها بجميع حواسنا مع هذا – نرى هناك من المؤرخين من يصر على ارجاع تاسيس الجامعة النجفية الى الامام الحبر الشيخ الطوسي المتوفي 461 ه نظرا الى انه لم يعرف احد من العلماء الكبار ممن تخرج من النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي اليها – بمعنى من التخرج - .

 وعلى فرض وجود فرد او افراد . فهؤلاء لم يكونوا الا رواة تلقوا الدراسة في النجف على الطريقة المعروفة قديما . وهو مجرد حفظ الاخبار . وروايتها – وما يناسب ذلك – ولا يطلق باصطلاح اليوم على مثل هذا انه علم ولا ان رجاله علماء بخلاف طريقة الشيخ الطوسي التي هي طريقة الاصوليين والدراسة في النجف اليوم .

ولا ادري ما الذي يدفع هذا المؤرخ الى تضييق العلم وتحديده . مع ان اختلاف طريقة الدراسة . ونوع العلم في مكان لا يوجب ان يكون حدا انتهائيا الاول وابتدائيا للثاني .

ولو فرضنا ان الدراسة وطريقتها تغيرت في النجف " كما هو المؤمل حسب تطور العصر . وحاجة الناس " لا نقول بتاسيس جديد او جامعة جديدة ووجود امثال ابي طالب بن احمد بن شهريار " العالم المحدث الذي يروي عنه ابو جعفر الطبري والنجاشي في النجف الاشرف قبل هجرة الشيخ الطوسي اليها . ويعرف كثيرا غيره ممن راجع كتب التراجم والرجال " كاف في الرد على هذا المؤرخ وتفنيد قوله .

  

رأيان آخران

      وهناك رايان اخران لكاتبين جليلين " نذكرهما توسعة في البحث واشباعا للموضوع وتحريرا للفكر وان لم يكونا كالاول في القوة والمتانة " .

احد ذينك الرايين ما ذهب اليه بعض ان مؤسس الجامعة النجفية هو الامام الكبير الشيخ المفيد " صاحب المؤلفات الكثيرة واستاذ الشيخ الطوسي ، والمتوفى سنة 431 ه " وانه اول من اسس هيئة علمية في النجف الاشرف عندما انتقل اليها من بغداد . او نفي منها " كما عبر الكاتب " بسبب ما حصل هناك من الاختلافات والثورات فانتقل الى النجف حيث قلة الضوضاء وفراغ البال ليقوم بتاليف كتبه والرد على العامة الذي عرف به .

 ولكن التاريخ لم يحدثنا عن انتقال هذا الرجل العظيم او نفيه ولا ان عصره عصر ثورات وحروب بل كان عصرا يسوده الهدوء والسلام لا حرب فيه ولا اختلاف كما يعرف ذلك كل من درس عصر الشيخ المفيد .

 وكيف نجيز هذا النفي على الشيخ المفيد هذا الرجل العظيم المكرم من ملوك عصره ملوك الدولة البويهية الشيعية وخاصة من عضد الدولة الذي هو احد تلامذته والمتصلين به والذي عرف عنه من اكرام العلماء ومدهم بالمال وجب العلم والفضيلة .

لهذا يستبعد هذا الراي مع انه لا دليل عليه .

 والراي الاخر ما ذهب اليه او احتمله بعض وهو تأسيس الجامعة النجفية لى عهد الصفويين اعو اعلعدولعة الشيعية الصفوية في العراق في القرن العاشر للهجرة .

وهذا الراي وان كان يظهره ويقر به اثار الصفويين في العراق وخدماتهم للعتبات المقدسة ومد الطلاب في النجف بالاموال وبناء المدارس والمساجد لهم فيها ، ولكنه لا يقتضي تاسيس الجامعة منهم ، وعلى عهدهم .

 وهذا الراي والاحتمال واهٍ لا ينبغي ان ننظر فيه اكثر من لمحة خاطفة ، وانه حدس وتخمين لا مستند له ولا دليل عليه . وحسبه ما تقدم من الادلة والبيانات الحسية على قدم العلم والدراسة في النجف وسبقهما عهد الصفويين في العراق .

 

خلاصة ما تقدم

    فيتلخص من جميع ما تقدم " وما سياتي ان الجامعة النجفية اقدم جامعة اسلامية واول " اكاديمية " دينية واسبق معهد روحي عربي .

وان جامعة النجف الاشرف اقدم من جامع الازهر الشريف في مصر . وقم المعصومة في ايران .

وان مؤسسها الاول هو علي بن ابي طالب (ع) الذي شيد ركنها الاساسي ووضع حجرها العلمي الذهبي .

 ( وبعد ) فان نسبة تأسيس الجامعة النجفية الى الامام ( ع ) وان كان يفاجئ بعض ؟! . براي بكر ونظرية جديدة لم يسبق لها بهذا التصريح و التأكيد والبحث والتوسع ، ولكن حداثة الموضوع . وقلة البحث عنه وعدم التوجه له وسطوة السياسة في ذلك العصر ، كان – كل ذلك – سببا لطمس هذه الناحية من التاريخ وموضوع مفاجاة واستغراب والشيخ علي الشرقي في مجلة ( لغة العرب س4 ) والاستاذ الدخيلي في مجلة ( الرسالة س6 ) وغيرهما وان سبقوا بذلك .

ولكن ليس بهذا التصريح والتأكيد بحيث يصح نسبة الرأي اليهم – كما يتضح لمن راجع كلماتهم - .

وترتفع شبهة كبرى عن هذا الرأي عندما نعرف المعنى المقصود من الجامعة – في دورها الاول - ؟ نريد بالجامعة معناها البسيط او اللغوي وهو الاجتماع للدرس والتعليم بحسب ذلك العصر وطريقته على نحو تردد الامام علي ( ع ) وأولاده ومحبيهم الى موضع قبر علي ( ع ) وبقائهم عنده اياما وليالي بذكر القران والتفسير والحديث الشريف ، وبهذا المعنى صح نسبة تأسيس الجامعة النجفية الى الامام علي ( ع ) والتاريخ الاسلامي يشهد له ويؤيده كما تقدم – ويأتي ايضا - .

 وقد توسع بعض الفضلاء في هذا الموضوع ، فتطرق لكلا الرايين ، الرأي الذي يثبت وجود حركة علمية قبل الطوسي ، والرأي النافي لذلك ، وعرض ادلة كلا الفريقين ثم ناقش الرأي الاول وأكد الثاني ، فقال :

 " ولا تتبين معالم صورة واضحة للحركة العلمية والنشاط الفكري الديني في النجف الاشرف – يعني قبل الشيخ الطوسي – حيث توجد نظريتان :

الاولى : ان الحركة العلمية الدينية قد انطلقت في النجف الاشرف قبل مجيء الشيخ الطوسي اليها بأعوام كثيرة ، وان طلاب العلوم الدينية قد اجتمعوا في النجف وأسسوا الجامعة العلمية الدينية منذ الايام الاولى من رفع الحواجز والعقبات عن طريق الشيعة لزيارة قبر علي عليه السلام ووفود الناس اليها للمجاورة ، وكان التحاق الشيخ الطوسي عام 448 هجري 1027 م بمثابة اضافة بدر منير الى النجوم المضيئة في افق النجف الفكري والعلمي .

 ثانيا : ان شيخ الطائفة هو المؤسس للحوزة العلمية الدينية في النجف الاشرف وانه الانسان الاول الذي جاور القبر وغرس شجرة العلوم الاسلامية في تلك البقعة المباركة ، وان النجف الاشرف كانت مدينة للزيارة والعبادة والسكنى طمعا في ثواب مجاورة قبر علي عليه السلام ، ولم تكن ذات طابع علمي وفكري قبل وصول الشيخ الطوسي رحمه الله اليها عام 448 هجري 1027 م وانما انطلقت النجف في المجالات الفكرية والعلمية بفضل هذا الرجل العظيم الوافد عليها .

 هذا ، علما بان اصحاب النظريتين يتفقان على ان محمد بن الحسن الطوسي قد غير المعالم العلمية والفكرية ، وبعث بروح جديدة ، واوجد نهضة علمية لم تعهد من قبل في النجف الاشرف بعد لجوئه اليها عند اندلاع الفتنة بين الشيعة والسنة في بغداد ، وعندما نشبت المعركة بين البويهيين الشيعة والسلاجقة السنة ، وبعد احراق مكتبته العامرة بالكتب القيمة ، وكرسيه الذي كان يرقاه ليدرس علم الكلام .

وقد استدل كل واحد من الفرقين على مختاره بادلة وبراهين مع ابداء ملاحظاته ومناقشاته على الادلة المعروضة من قبل خصمه .

 واليك عرضا بسيطا لهذه البراهين المقدمة من الفريقين مع ذكر مناقشتها ان كانت هناك ملاحظة ومناقشة لتلك الادلة .

 ادلة الفريق اول :

استدل هذا الفريق الذي يرتاي بان الحركة العلمية الدينية كانت دائبة قبل وصول الشيخ الطوسي الى النجف عام 448 هجري 1027 م بالادلة التالية :

 الدليل الاول :

النقابة في النجف الاشرف ، وهذا المركز اقرب الى الروحي منه الى الزمني ، وذكرت الكتب المختصة ان عددا من الاعلام تولوا نقابة المشهد العلوي ، منهم : السيد شريف الدين محمد المعروف بابن الدرة ، اقام في النجف عام 308 هجري 887 م حتى توفي فيه . وكذلك ناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمد بن الحسين ، وقد تولى نقابة المشهدين العلوي والحسيني .

 وحيث ان النجف اصبحت مدينة مقدسة لاحتوائها على قبر علي عليه السلام جُعلت النقابة لاولاد الزهراء عليها السلام ، وبما ان المركز الروحي العلمي افضل واشرف ، تعين ان يكون نقيب الاشراف من العلماء المنتسبين الى علي والزهراء عليهما السلام .

 مناقشة الدليل الاول :

 ان النقابة من دون ريب من المناصب الرفيعة بعد مقام الخلافة ، وان النقيب مقدم على رجال الدولة باسرهم حتى الصدر الاعظم وشيخ الاسلام .

لقد عهد الخلفاء العباسيون الى نقيب الاشراف امرة الحاج وديوان المظالم واستمر هذا التكريم حتى حلول ايام العثمانيين ، ولم نعثر في التاريخ ان عالما فاضلا قد تصدى لهذا المركز الرفيع حتى ندعي بان العلماء في النجف قد تصدوا للنقابة ، وان النجف قد اهلتهم من الناحية العلمية لهذا النصب .

 ولعل المقصود من قولهم : ( وهذا المركز اقرب الى روحي من غيره ) هو العدالة والورع والتقى ، لا العلم والبحث والتحقيق ، لان هذا المنصب يحتاج الى العدل والانصاف تجاه الناس ، دون العلم والفقه والتحقيق .

 يقول الرحالة ابن بطوطة : ونقيب الاشراف مقدم من ملك العراق ، ومكانه عنده مكين ، ومنزلته رفيعة، وله ترتيب الامراء الكبار في سفره ، وله الاعلام والاطبال ، وتضرب الطبلخانة عند بابه مساءً وصباحاً ، واليه حكم هذه المدينة ، ولا والي بها سواه ولا مغرم للسلطان ولا لغيره ، وكان النقيب في عهد دخولي اليها ، نظام الدين حسين بن تاج الدين الاوي ، نسبة الى بلدة آوة من عراق العجم ، اهلها رافضة .

 وكانت قبله جماعة يلي كل واحد منهم قبل صاحبه ، منهم : جلال الدين بن الفقيه . ومنهم: قوام الدين بن طاوس ، ومنهم : ناصر الدين مطهر ابن الشريف الصالح شمس الدين محمد الاوهري من عراق العجم ، وهو الان بارض الهند من ندماء ملكها ، ومنهم : ابو غرّة بن سالم بن مهني بن جماز بن سيحة الحسيني المدني .

 ولا نعثر في قائمة هؤلاء النقباء ولا في غيرها على نقيب عالم حتى نقول بان النقيب في النجف الاشرف يكون من سلالة الزهراء من العلماء والفقهاء ، وانهم وقبل مجيء الشيخ الطوسي اليها حسب دعوى صاحب النظرية الاولى .

الدليل الثاني :

 ورد ذكر لبعض البيوتات العلمية التي لمعت في النجف في القرن الرابع والخامس ، كال شهريار ، وال الطحال وغيرهما ، وقد جمعت هذه البيوت بين الفضيلة العلمية وخدمة الروضة الحيدرية وهذا دليل على ان النجف قد شغلت بالحوزة العلمية في القرن الرابع قبل وصول شيخ الطائفة الطوسي اليها .

 

مناقشة الدليل الثاني :

 ان ال شهريار من الاسر العلمية العريقة في النجف الاشرف ، ولكنها كانت في اوائل القرن الخامس . يقول الشيخ باقر ال محبوبة : ( عرفت ال شهريار بالنجف واشتهرت في اوائل القرن الخامس الهجري على عهد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي ) .

 ويقول صاحب طبقات اعلام الشيعة : احمد بن شهريار الخازن للحضرة الغروية والراوي عن الطوسي . ولم يعرف احد منهم قبل الشيخ الطوسي بالفضل والعلم والرواية .

 وكذلك ال طحال ، فقد قيل انهم من الاسر العلمية القديمة في النجف الاشرف ، يقول الشيخ باقر ال محبوبة : ( ال الطحال من الاسر العلمية القديمة في القرن الرابع ، عرفت في النجف في ذلك العصر ) .

 ثم يستمر في ترجمة حياة الشيخ حسن بن محمد بن الحسين بن احمد بن محمد بن علي بن طحال المقدادي ويقول : ( كان من خدام الحضرة العلوية وخزانها ، اشترك مع والده في نقل الكرامة التي وقعت في نوبتها في سنة 575 هجري ، ونقل هو كرامات وقعت في عصره من العتبة العلوية في سنة 584 هجري وفي سنة 587 هجري ) .

 ويقول محبوبة في ترجمة الشيخ الامين ( الامام العالم ابو عبد الله الحسين بن احمد بن محمد بن علي بن طحال المقدادي ) هو اشهر رجال هذه الاسرة وابعدهم صيتا واكثرهم رواية ، واغزرهم علما ، ثم يضيف قائلا : المقدادي المجاور بمشهد مولانا امير المؤمنين عليه السلام من اكابر علمائنا من مشايخ ابن شهر اشوب .

فلا يوجد شاهد موثوق يثعتمد عليه لاثبات احتواء النجف الاشرف على مركز علمي ديني قبل وصول الشيخ الطوسي اليها ، خاصة وان اشهر شخصية علمية من اسرة ال شهريار وال طحال هما : احمد بن شهريار ، والشيخ الامين الحسين بن احمد بن محمد ، في حين ان احمد بن شهريار قد روى عن الشيخ الطوسي وان الشيخ الامين الحسين بن احمد بن علي بن طحال يكون من مشايخ محمد بن علي بن شهراشوب في عام 539 هجري والفترة المقررة في علم الرجال بين طبقة وطبقة اخرى هي اربعون عاما ، فيكون الحسين بن احمد طحال متاخرا عن الشيخ الطوسي .

 ولو فرضنا ان المتصدين للخزانة العلوية من الاسرتين كانوا من العلماء والافاضل والمحدثين لما كان ذلك دليلا على وجود دراسات علمية دينية في النجف الاشرف قد تعلموا فيها وتخرجوا منها اذ يمكن انهم بلغوا المستوى العلمي الرفيع في جامعة الكوفة او بغداد او جامعة دينية اخرى .

 الدليل الثالث:

 ان الشاعر ابو عبد الله الحسين بن احمد المعروف ( بابن الحجاج ) عندما زار النجف الاشرف في اواخر القرن الرابع الهجري ، انشد قصيدة قال فيها :

يا صاحب القبة البيضا على النجف            من زار قبرك واستشفى لديه شفي

 وفيها :

وقل سلام من الله السلام على                 اهل السلام واهل العلم والشرف

ويقال ان اهل العلم هم العلماء والمحدثون الذين كانوا في النجف الاشرف قبل الشيخ الطوسي فالشاعر يخاطبهم .

 مناقشة الدليل الثالث :

 ان الحسن بن احمد المعروف بابن الحجاج المتوفى عام 391 هجري 790 م من الشعراء العراقيين المعروفين الذي انشد قصائد كثيرة في الجد والهزل ز كما نظم قصائد في مدح اهل البيت عليهم السلام ومنها هذه القصيدة التي جاء فيها :

اذا وصلت الى ابواب قبته          تامل الباب تلقا وجهه وقف

وقل سلام من الله السلام على       اهل السلام واهل العلم والشرف

اني اتيتك يا مولاي من بلدي        مستمسكا من حبال الحق بالطرف

 ومن سياق هذه الابيات نعرف ان الشاعر يخاطب صاحب القبة الامام علي عليه السلام وهو اهل السلام والشرف والعلم والجود والكرم ، ولا يخاطب اهل النجف وسكنتها من الناس .

الدليل الرابع :

 علماء نسبوا الى النجف قبل عهد الشيخ الطوسي ، منهم :

  أ – احمد بن عبد الله الغروي ، يروى عن ابان بن عثمان من اصحاب الامام الصادق ( ع ) وهو من المنتسبين الى الغري الذي هو النجف ومن الواضح ان من يروي عن ابان بن عثمان ، يكون في اواخر القرن الثاني او بداية القرن الثالث ، في حين ان الشيخ الطوسي قد ولد في اواخر القرن الثالث ، فيكون عبد الله الغروي من العلماء والمحدثين النجفيين قبل الشيخ الطوسي .

  ب – شرف الدين بن علي النجفي ، وقد وصفه الشيخ الطوسي بقوله : كان صالحا فاضلا . وتوصيف الشيخ الطوسي لشرف الدين النجفي بالفضل والصلاح دليل على ان مدينة النجف كانت تحتوي على علماء واصحاب فضل قبل حلوله منها عام 448 هجري .

 ج – ابو طاهر عبد الله بن احمد بن شهريار ، كان معاصرا للشيخ المفيد الذي يروي عنه ابو جعفر محمد بن جرير الطبري والنجاشي في كتاب الامامة .

ويعد الشيخ المفيد من مشايخ الشيخ الطوسي فيكون عبد الله بن احمد بن شهريار المعاصر للشيخ المفيد في طبقة متقدمة على الشيخ الطوسي .

  د – احمد بن شهريار ابو نصر الخازن للحضرة الغروية ، كان من رجال العلم وحملة الحديث معاصرا للشيخ الطوسي .

 وكما تقدم منا في مناقشة الدليل الثاني ان ال شهريار من الاسر العلمية العريقة في النجف الاشرف ، وهي التي تشرفت بسدانة وخدمة الروضة الحيدرية ، وكان عبد الله معاصرا للشيخ المفيد الذي مات عام 413 هجري 992 م . كما ان احمد بن شهريار كان معاصرا للشيخ الطوسي وهما من العلماء الرواة في النجف قبل مجيء شيخ الطائفة اليها ، وهذا دليل على احتضان النجف للعلم والعلماء قبل النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة .

 مناقشة الدليل الرابع :

ان العلماء المنتمين الى النجف الاشرف حسب زعم المستدل هم :

  أ – احمد بن عبد الله الغروي ، نسبة الى الغري .

ولكن عندما نرجع الى معجم رجال الحديث نرى ان : احمد بن عبد الله القروي ( بالقاف ) يقول السيد الخوي : ( احمد بن عبد الله القروي ، روى عن ابان بن عثمان ، وروي عنه الحسين بن سعيد ) .

 ب – شرف الدين بن علي النجفي الذي وصفه الشيخ الطوسي بالفضل والصلاح ، ولكن يقول السيد الخوئي بان الناعت له بالفضيلة والصلاح انما هو الشيخ الحر العاملي لا الشيخ الطوسي : ( شرف الدين بن علي النجفي ، كان فاضلا محدثا صالحا ، له كتاب الايات الباهرة في فضل العترة الطاهرة ) .

وعليه لا دليل على ان شرف الدين بن علي كان سابقا على الشيخ الطوسي .

  ج ، د – عبد الله بن احمد بن شهريار واحمد بن شهريار وهما من اسرة ال شهريار ، وهي اسرة عريقة علمية في النجف الاشرف .

ولكن ، قد تقدم الحديث في هذه الاسرة الكريمة عند المناقشة للدليل الثاني ، واثبتنا :

اولا : ان التاريخ لم يدل بشاهد موثوق يثبت بان اشخاصا من هذه الاسرة العلمية قد سبقوا الشيخ الطوسي في تشييد الحوزة العلمية في النجف الاشرف .

 ثانيا : ان تمتع افراد من هذه الاسرة الكريمة بالعلم لا يشهد بان هؤلاء العلماء قد بلغوا مستوى رفعا من العلم في جامعة النجف الاشرف الدينية .

 الدليل الخامس :

 ذكر السيد ابن طاووس غياث الدين عبد الكريم بن احمد ، ان فناخسرو الملقب بعضد الدولة الذي هو وزير الطائع لله ابي الفضل عبد الكريم العباسي ، عندما قام بزيارة المشهد العلوي الطاهر عام 371 هجري ، تصدق وأعطى الناس على اختلاف طباقاتهم وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم فتوزيع المال على الفقهاء دليل على تواجدهم في النجف الاشرف قبل حضور الشيخ الطوسي بأكثر من نصف قرن .

 مناقشة الدليل الخامس :

ان عضد الدولة من البويهيين الشيعة المحبين لأهل البيت والفقهاء والمحدثين السائرين على نهجهم والملتزمين لمذهبهم ، وكان يبذل على الفقراء والعلماء الاموال الطائلة . يقول الدكتور حسين امين في عضد الدولة : ( وكان ينفق كل جمعة عشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل ، ويصرف كل سنة ثلاثة الاف دينار ثمن احذية للحفاة من الحجاج ، وعشرين الف درهم كل شهر لتكفين موتى الفقراء ، واستحدث ثلاثة الاف مسجد وخان للغرباء ، الى ان قال : وكان يحب العلم والعلماء ويجري الارزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والأدباء ، والحساب والمهندسين ، وافراد لاهل الاختصاص من العلماء والحكماء موضعا يقرب من مجلسه ) .

ومن كان عطاؤه هكذا كيف نقول بأنه يزور النجف وينفق على فقرائها وفقهائها ثلاثة الاف درهم .

والظاهر ان المقصود من الفقهاء في النجف ، العلماء الذين كانوا يتصدون للامور الدينية في المجتمع من اقامة صلاة الجماعة ، واجراء عقد النكاح ، والتحكيم بين الناس لفض خصوماتهم بعد المراجعة اليهم والاصلاح بينهم ، لا الفقهاء الكبار والاساتذة العظام .

 

بل نستطيع ان نقول : ان قلة الانفاق على الفقراء والفقهاء خير دليل على وجود عدد قليل من العلماء الذين كانوا في النجف لتصريف الشؤون الدينية ، ولا يعقل ان تكون حوزة علمية دينية في النجف الاشرف عندما زارها عضد الدولة البويهي ويوزع ثلاثة الاف درهم – هذا المبلغ الضئيل – على الفقراء والفقهاء معا .

 الدليل السادس :

 صدور اجازات لنقل الحديث من عالم لاخر في النجف الاشرف ، او سماع الحديث من عالم في المشهد العلوي ، وذلك :

  اولا : ان محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق قد سمع من شيخه محمد بن علي بن الفضل الكوفي عام 354 هجري في مشهد امير المؤمنين عليه السلام وهو في طريقه الى الحج .

  ثانيا : قال النجاشي في ترجمة الحسين بن احمد بن المغيرة ( ابو عبد الله البوشنجي ) كان عراقيا مضطرب المذهب ، وكان ثقة فيما يرويه ، له كتاب " عمل السلطان " اجازنا بروايته ابو عبد الله بن الخمري ( اسمه الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي المعروف بابن ( الخمري الكوفي ) الشيخ الصالح في مشهد مولانا امير المؤمنين عليه السلام سنة اربعمائة عنه .

 فسماع الشيخ الصدوق للحديث والرواية عام 354 هجري عن شيخه محمد بن علي بن الفضل الكوفي في مشهد امير المؤمنين عليه السلام ، وصدور الاجازة من الحسين بن جعفر المعروف بابن الخمري للحسين بن احمد بن المغيرة عام 400 هجري في مشهد علي عليه السلام خير دليل على ان الحوزة الدينية كانت قائمة ، والعلماء كانوا يتداولون الابحاث والدراسات قبل ولادة الشيخ الطوسي حيث ولد عام 385 هجري 964م وقبل ان يحط رحله في بغداد عام 448 هجري .

 مناقشة الدليل السادس :

 ان اجازة ابي عبد الله المعروف بابن الخمري للنجاشي في رواية كتاب ( عمل السلطان ) لحسين بن احمد بن المغيرة في مشهد امير المؤمنين سنة 400 هجري ، واستماع الشيخ الصدوق لما نقله شيخه محمد بن علي بن الفضل الكوفي سنة 354 هجري من الاحاديث والروايات في مشهد امير المؤمنين عليه السلام لا تدلان على وجود مركز علمي نشيط في النجف الاشرف قبل دخول الشيخ الطوسي اليها ، لان مجرد الاستحصال على اجازة نقل الروايات في مقام ، او الاستماع للروايات عن شيخ في الحديث والفقه ، لا يكون شاهدا على ان البلد الذي يتم اللقاء العلمي او الاستماع للحديث فيه يحتوي على مركز علمي .

 ونحن نعثر في علم الرجال وترجمة حياة العلماء والمحدثين على شخصيات علمية التقت بشخصيات مرموقة في الحديث والفقه ، وتبادلوا الروايات والأحاديث الماثورة عن اهل البيت عليهم السلام ، او استجاز احدهم الاخر لنقل كتاب او احاديث ، مع ان ذلك المكان الملتقى ليس بمحل للنشاط العلمي والفكري والروائي ، واليك امثلة على ذلك :

  اولا : ان ابراهيم بن عمروس الهمداني – من مشايخ ابي الحسن علي بن بابويه والد الصدوق والمتوفى عام 329 هجري – يروي عنه بهمدان .

  ثانيا : ان محمد بن علي بابويه القمي قد كتب اجازة لفضل بن الفضل بن العباس يهمدان عام 354 هجري 933 م .

 مع ان مدينة همدان لم تكن انذاك مدينة العلم والعلماء رغم انها حظيت بوكلاء نواب الامام المهدي ( عج ) حيث ان القاسم بن محمد بن علي بن ابراهيم الهمداني وكيل الناحية المقدسة بهمدان بعد وفاة والده محمد الوكيل للناحية المقدسة بعد وفاة والده علي بن ابراهيم الهمداني الذي كان ايضا الوكيل للناحية .

  ثالثا : يكون الحسين بن محمد الاشنائي الرازي العدل من مشايخ الصدوق ، وقد قرأ عليه ببلخ ولم نعهد في التاريخ بان مدينة بلخ كانت مقرا لجامعة دينية ايام الصدوق المتوفى عام 381 هجري 960 م .

  رابعا : ان جعفر بن محمد بن ابراهيم قد روى عن ابي الحسين بحلب ولم تقم شواهد تاريخية تحدثنا عن وجود مجمع علمي ديني في حلب في القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه جعفر بن محمد بن ابراهيم .

  خامسا : ان المحقق الحلي صاحب الشرائع ، قد اجاز البعض في النجف ايام ازدهار العلم في الحلة ، وفتوره وخموله في النجف فهل نستطيع ان نعتبر المحقق من سكان النجف الاشرف .

وهكذا نقول بان النجف الاشرف لم تتمتع بالحركة العلمية قبل الشيخ الطوسي رغم حصول الاجازة والرواية في مشهد امامنا علي بن ابي طالب عليه السلام .

نعم ، ان مدينة النجف الاشرف تعد من المدن المقدسة التي تقصد من كل صوب وحدب لزيارة مرقد امام المتقين وامير المؤمنين علي بن ابي طالب ( ع ) وخاصة ان العلماء العارفين لمقام الولاية يسعون في كل مناسبة لزيارة المشهد العلوي .

كما انها مدينة يستحب الدفن فيها لمجاورة قبر وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فكان العلماء يوصون اولادهم وتلامذتهم ان ينقلوا جثمانهم الى النجف اذا وافتهم المنية .

 فبهذه المناسبة او تلك ، كان العلماء القادمون من الامصار المختلفة يلتقون ويتحدثون ويتبادلون اجازات نقل الاحاديث ، ويستمعون الى الروايات المأثورة عن اهل البيت عليهم السلام .

 واليك امثلة من العلماء الذين قدموا الى النجف الاشرف للزيارة ن او اوصوا اولادهم بنقل جثمانهم للمواراة والدفن فيها .

 أ – هبة الله بن احمد بن محمد ابو نصر الكاتب ن وكان هذا الرجل كثير الزيارات . واخر زيارة حضرها معنا – يقول النجاشي – يوم الغدير سنة 400 هجري 979 م .

 ب – عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع ابو العباس الحميري شيخ القميين ووجههم ، صاحب قرب الاسناد والتوقيعات ، قدم الكوفة في نيف وتسعين ومائتين ( 292 هجري 1118 م ) كما في رجال النجاشي ايضا ، والظاهر ان قدموه كان لزيارة الامير ( ع ) .

  ج – محمد بن احمد بن داود ، مات سنة 368 هجري وأوصى بنقل جثمانه الى النجف .

  د – علي بن محمد بن عبيد بن زبير الكوفي ، مات ببغداد 348 هجري – 927 م ودفن في مشهد امير المؤمنين عليه السلام .

  ولقد ورد في ترجمة حياة علي بن عثمان بن خطاب كتب عنه احاديث امير المؤمنين عليه السلام من المصريين والشاميين والبغداديين وغيرهم ممن حضر موسم مكة سنة 309 هجري 888 م ايام المقتدر .

 فنستخلص من كل هذه الدلائل والشواهد ن بان لقاءات العلماء ونقل بعضهم عن اخر ، وإجازة بعضهم لأخر في حضرة علي عليه السلام لا يكون دليلا وشاهدا على وجود مركز علمي وحوزة دينية للدرس والبحث قبل حضور الشيخ الطوسي فيها عام 448 هجري هربا من فتن بغداد والنزاعات الطائفية التي ادت الى احراق مكتبته وكرسي درسه .

 واستدل ايضا على ان الشيخ ابا جعفر محمد بن الحسن الطوسي هو المؤسس الاول للحوزة العلمية الدينية في النجف الاشرف ، والباعث للنهضة الفكرية والعلمية في هذه البلدة المقدسة بالادلة التالية :

 الدليل الاول :

 ان الحركة الفكرية والعلمية كانت ناشطة على قدم وساق في الكوفة في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري ، وان خف النشاط العلمي قليلا بعد ظهور علماء كبار مثل علي بن الحسين بن موسى بن بابوية – توفي 329 هجري – وعلي بن ابراهيم القمي ومحمد بن يعقوب الكليني وجعفر بن محمد بن قولويه 285 – 368 هجري في مديني قم والري في اواسط القرن الثالث وحتى القرن الرابع ، ولكن الكوفة كانت مجمع العلماء والمحدثين ، حيث ان طلبة العلوم الدينية والأحاديث النبوية كانوا يقصدونها لتلقى العلم والحديث واجازة نقل الروايات من رجال الكوفة .

 ومن الصعوبة جدا ان تتاح الفرصة وتلتئم الظروف لتأسيس مركز علمي في النجف ، وهي على مقربة من الكوفة وعلى ظهرها ، وخاصة ان انشاء مركز علمي يحتاج في بدء الاحوال عالما كبيرا ذا شهرة واسعة يتبنى التأسيس للجامعة العلمية .

 وبهذا نستدل ان شيخ الطائفة وفد الى النجف الاشرف وأصبح نبراسا فيها ، وبدأت الدراسة والنشاط الفكري في هذه المدينة المقدسة .

 الدليل الثاني :

ان الاوضاع السياسية الحاكمة آنذاك في القرن الثاني والثالث والرابع لا تسمح بظهور النجف الاشرف في المجال العلمي والفكري ، لان الخلفاء الامويين ، ومن بعدهم الخلفاء العباسيون ، كانوا يحاربون عليا عليه السلام وأولاده المعصومين ، وكانوا يوجهون الناس بأساليب مختلفة وأنفسهم حتى ينسى الناس دور علي عليه السلام في الاسلام .

 ومواقف معاوية من الامام علي عليه السلام والحسن السبط ، وموقف يزيد بن معاوية من الامام الحسين عليه السلام ، وموقف مروان بن الحكم وولده عبد الملك ، والوليد وسليمان من سب علي عليه السلام على المنابر ، ثم تتبُع السفاح والمنصور ومن تلاهم من الخلفاء العباسيين للعلويين والبحث عنهم تحت كل حجر ومدر ، وقتلهم ، كل ذلك دليل على ان السياسة الاموية ، والعباسية ، كانت قائمة على اساس طمس معالم علي عليه السلام والحيلولة دون ظهوره .

 ومن هذا المنطلق لم يسمح الحكام الساسة للمدينة التي تحتضن عليا عليه السلام ان تصبح مركزا علميا حيا في المجتمع الاسلامي ، لانه سيبعث على احياء مآثر علي عليه السلام وفضائله ودوره في الاسلام .

 واما في اواسط القرن الخامس ، فقد فرض الواقع الشيعي نفسه في العراق بواسطة عظمائه من رجال العلم ، مثل الشيخ الطوسي والسيد المرتضى والشيخ المفيد و ...

ومن خلال ازدياد عدد الشيعة وحكومة البويهيين وعوامل اخرى سمحت انتعاش النجف الاشرف علميا وفكريا بد مجيء الشيخ الطوسي اليها .

 الدليل الثالث :

 ما ذكره الشهيد السيد محمد باقر الصدر في مقدمة كتابه ( المعالم الجديدة ) " ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي الى النجف لم يشيروا اطلاقا الى ان تلامذة الشيخ الطوسي في بغداد رافقوه او التحقوا به فور هجرته الى النجف " ..

وذلك ان التاميذ كانوا يعرفون سلفا بان النجف مدينة الزيارة ودفن الموتى ، وليس بمدينة العلم والدراسات الاسلامية ، ولهذا لم يصحبوه ، ولو كانت النجف مدينة العلم والحديث لرافقوا الاستاذ اليها .

 الدليل الرابع :

 ان الشيخ الطوسي رحمه الله قد مارس عمله العلمي في مهجره من دون ان يجد حوزة علمية رفيعة سامية في العلم والتحقيق تستطيع ان تتفاعل مع افكاره العلمية المبدعة ، وفرق كبير بين المبدع الذي يمارس ابداعه بوعي وتفتح ، وبين المبدع الذي يمارس ابداعه خارج نطاقها وبعيدا عنها .

ويستشهد السيد الشهيد الصدر على هذا الراي – من عدم تفاعل المحيط في النجف مع الشيخ الطوسي – انه سبب الركود الظاهري للعلم وانسداد باب الاجتهاد بعد الشيخ الطوسي ، حيث مرت مئة عام حتى بلغت الحوزة الفتية الى ذلك المستوى الراقي في العلم الذي ساعده على التفاعل مع افكار الشيخ الطوسي المبدعة ومناقشته والقفز فوقه .

 الدليل الخامس :

 ان الحسن ابن الشيخ الطوسي المعروف بابي علي ، قد تزعم الحوزة العلمية في النجف الاشرف بعد وفاة ابيه رغم صغر سنه ، حيث انه من المظنون ان ابن الشيخ الطوسي قد عاش بعد وفاة ابيه قرابة سبعين عاما ، فهذه الزعامة الفتية للابن ( بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في اغلب الظن ) يكشف عن المستوى العلمي العام لهذه الحوزة اذ لو لم تكن الحوزة فتية وكانت قديمة ، لتزعمها شخص اخر متقدم في العمر والعلم .

 خلاصة البحث

 وخلاصة القول ، فان النجف قد بدأت تاريخها كمدينة مقدسة منذ ان كشف لاول مرة عن قبر الامام علي ( ع ) عام 170 هجري 768 م والذي كان غير معروف سوى اقرب اصحابه .

 اما تاريخها كمدينة علمية ، وكجامعة للدراسات الاسلامية في مجالات الفقه ، واصول الفقه والفلسفة الاسلامية ، وتفسير القران الكريم ، والحديث النبوي الشريف ، وما يتصل بذلك من قضايا العقيدة الاسلامية ، وشؤون الفكر الاسلامي ، فذلك يعود الى التاريخ الذي هاجر فيه اليها من بغداد الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي عام 448 هجري 1056 م .

 وهناك من يذهب الى ان الشيخ الطوسي لم يوجد العلم في النجف بعد ان كان معدوما فيها ، وان كل ما اتى به لا يقتضي اكثر من ان يسجل له التاريخ انه : صاحب عهد جديد ودور خاص ، ازدهر العلم في عصره ، كما كان في عصر عضد الدولة ، على حد سواء في كثرة الطلاب وقوة العلم .

ولتأييد وجهة نظره ، ينقل صاحب هذا الرأي ما ورد في الجزء الثامن من الكامل لابن الاثير ص334 من ان دراسة العلم في النجف بدأت منذ القرن الثالث الهجري وبلغت اوج عظمتها في عهد عضد الدولة – احد الملوك البويهيين – حيث اطلق الصلات لرجال العلم والدين ، المقيمين في الغري وغيرهم من ذوي الفاقة ، لكن " تركزت هذه الدراسات بعد هجرة الشيخ الطوسي " .

 بعد هذا كله ، فانا لا نستطيع ان نخفي كل هذا ، كما لا نقبل كل ذاك ، وانما المرجح ان نذهب الى حد وسط ، وهو : ان النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي في سنة 449 هجري كانت فيها جذور علمية ، وتضم بعض رجالات الفضل والعلم ، اتخذوا من النجف الاشرف – بعد ظهور القبر فيه – مقرا لهم .

 ويدعم راينا هذا شيخنا آغا بزرك الطهراني ، اذ يقول : انني اذهب الى القول بان النجف كانت مأوى للعلماء ، وناديا للمعاف قبل هجرة الشيخ اليها ، وان هذا الموضع المقدس اصبح ملجأ للشيعة منذ انشئت فيه العمارة الاولى على مرقد الامام امير المؤمنين عليه السلام ، لكن حيث لم تامن الشيعة على نفوسها من تحكمات الامويين والعباسيين ولم يستطيعوا بث علومهم ورواياتهم ، كان الفقهاء والمحدثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم وكانوا مبددين حتى عصر الشيخ الطوسي والى ايامه ، وبهد هجرته انتظم الوضع الدراسي وتشكلت الحلقات ، كما لا يخفى على من راجع ( آمالي الشيخ الطوسي ) الذي كان يمليه على تلامذته .

وكذلك يرى الدكتور مصطفى جواد : بان في النجف اعلاما بشوا العلم قبل الشيخ الطوسي ويصعب التصديق بان الشيخ اول من جعل النجف مركزا علميا .

                          *             *             *

الى هنا نكون قد قدمنا للمتلقي صورة كافية عن مكانة النجف العلمية قبل هجرة الشيخ الطوسي اليها.

ونبدا الان بمتابعة البحوث التي تتصل بموضوعنا ( الجامعة النجفية ) فتتحدث اولا عن السبب في هجرة الطوسي الى النجف وما ترتب عليها من الاثار .

 

السبب في هجرة الطوسي الى النجف

وما ترتب عليها من الاثار

نشأة الجامعة النجفية

ان من المؤسف حقا ان يمتد الصراع بين الشيعة والسنة في بعض العصور الاسلامية من صراع فكري عقائدي الى مواجهة عسكرية مسلحة تدعمها الهمجية التي لا تعرف المبادئ والقيم ، وهذا يرجع في الحقيقة الى صلافة بعض الحكام الذين اتخذوا مناصبهم وسيلة للتسلط والحكم والاستبدادي والإمساك برقاب الشعوب المسلمة ، اذ انهم يعلمون مسبقا بان اسس العدل في الميزان الاسلامي القراني لا تسمح لهم ولا لأمثالهم بالوصول الى تلك المناصب .

 ومن اولئك الحكام : السلجوقيون الذين مثلوا دور الظلم والاستبداد في عصرهم فاثأروا الفتن بين المسلمين وفي مقدمهم " طغرلبك " الذي قاد الفتنة الطائفية الهوجاء في بغداد بنفسه وذلك في سنة 449 هجري .

 " ولم تكن هذه العاصمة وليدة تلك الايام ، وإنما بلغت ذروتها في هذا العهد ، وخاصة عندما قطعت الخطبة للقائم العباسي ببغداد وخُطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد والعراق كله ، فكتب القائم بامر الله الى " طغرلبك " السلجوقي في الباطن يستنهضه الى المسير نحو العراق ، وكان بنواحي خراسان ، فدخلها سنة 447 هجري " . وتقوض حكم البويهيين بدخوله ، وتوليه الحكم من قبل القائم العباسي .

 فمنذ وروده الى بغداد اخذ يشن حملة شعواء على الشيعة ، ويقسو عليهم وقد عز على هذا السفاح الاهوج ان يزدهر المذهب الجعفري ، وينتشر فقرر ان يعمل جادا في بعث التفرقة الطائفية بين المسلمين ، او في الحقيقة يؤجج لهيبها من جديد ، فالمصادر التاريخية تؤكد وقوع الحوادث الدامية بين الشيعة والسنة ، وقد استمرت من عام 441 هجري الى دخول طغرلبك 447 هجري فهي مثلا بين شدة وضعف .

 حتى اذا بلغت سنة 448 هجري قال ابن تغري بردي " وفيها اقيم الاذان " في مشهد موسى بن جعفر . ومساجد الكرخ ب " الصلاة خير من النوم " على الرغم انف الشيعة وازيل ما كانوا يقولونه في الاذان من " حي على خير العمل " .

 واشتد هذا الجو المتأزم بالطائفية على مرور الايام ، وانقلب الى حوادث دامية ، فقد ذكر لنا ابن الجوزي صورة من هذه الحوادث في سنة 448 هجري فيقول :

" وفي هذه السنة اقيم الاذان في المشهد بمقابر فريش ، ومشهد العقبة ومساجد الكرخ ب " الصلاة خير من النوم " وازيل ما كانوا يستعملونه في الاذان " حي على خير العمل " ودخل الى الكرخ ( وهو معقل الشيعة ) منشدو اهل السنة من باب البصرة فانشدوا الاشعار في مدح الصحابة ، وتقدم رئيس الرؤساء الى ابن النسوي بقتل ابي عبد الله الجلاب ( شيخ البزازين ) بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض فقتل وصلب على باب دكانه " .

واذاً فالفتنة الطائفية بلغت ذروتها ، ولم يسم منها كل شيعي سكن بغداد وكان نصيب الشيخ الطوسي منها كبيرا باعتباره الشخصية الشيعية الاولى ، وعلمهم المبرز ، فقد " كبست دار ابي جعفر الطوسي ( وبصفه ابن الجوزي ب ( متتكلم الشيعة ) . بالكرخ . واخذ ما وجد من دفاتره ، وكرسيا كان يجلس عليه للكلام ، واخرج الى الكرخ ، واضيف اليه ثلاث سناجق بيض – وهو اللواء - ، كان الزوار من اهل الكرخ قديا يحملونها معهم ، اذا قصدوا زيارة الكوفة ، فاحرق الجميع . وهرب ابو جعفر الطوسي ، ونهبت داره ...".

 اما ابن حجر العقلاني : فيوضح السبب الذي دعا الى هذا الهجوم المعاكس على شيخ الطائفة بعد ان كان معززا مكرما ، بحيث يبلغ الامر به ان تحرق كتبه ، وتنهب داره ، ويحدث ما حدث ، ويقول : " قال ابن النجار " احرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر ، واستتر هو خوفا على نفسه ، بسبب ما يظهر من ( انتقاص السلف ) ..." .

 ولعلنا وضعنا اصابعنا على الاسباب الرئيسية لهذه الحوادث الدامية من خلال ما عرضناه من نصوص تاريخية توضح لنا معالم المشكلة ، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين . يفعل تلك الطائفية الرعناء ، والتعصب المخزي الاعمى الفظيع .

 الشيخ الطوسي يهاجر الى النجف :

 ومن جراء هذه الحوادث المؤلمة ، والخطر المحدق ، اختار الشيخ الطوسي – رحمه الله – النجف مقرا له ، ومركزا لحركته العلمية .

 فالنجف الاشرف تمتعت بميزات خاصة فُضلت على بقية المدن العراقية ، فهي تضم مرقد امام العلم والفضيلة ، امير المؤمنين عليه السلام ، وفيها تربة قابلة للنمو العلمي وذلك لوجود بعض الاعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد من اتخاذ النجف مركزا لهم .

بالاضافة الى ان النجف تتكئ على الكوفة ، وهذه المدينة علوية في ذاتها وهي وان وقفت في فترة ضد ال البيت عليهم السلام ، الا انها عادت الى رشدها بعد زمان ، واصبحت موئلا للشيعة ، ومركزا للتوابين ، ومنطلقا للثورات العلوية .

 واذا كان هذا الجانب متوفرا في مدينة الامام علي ( ع ) ، فلابد ان يكون هو المفضل لدى الشيخ الجليل ، الذي اضطرته المشاكل الطائفية ، وجوادثها الدامية الى ان يصمم على ترك بغداد .

وانتقل الى النجف الاشرف عام 449 هجري ، وحط رحله فيها ، ومن الطبيعي ان يظهر دور جديد في حياته العلمية . خاصة اذا لاحظنا انه عند هجرته الى مدينة النجف قد انصرف عن كثير من المشاغل ، وانصرافه انصرافا كاملا الى البحث الامر الذي ساعده كل المساعدة على انجاز دوره العلمي العظيم ، الذي ارتفع به الى مستوى المؤسسين .

ودبت في النجف حركة علمية نشيطة بفضل شيخنا الرائد ، وتوطدت اركانها بمرور الزمن ، حتى برزت مظاهر الحياة العلمية المرتبة واضحة للعيان . واصبحت الجامعة تضم عددا من طلاب المعرفة لا يستهان بهم ، واخذت تتكاثر يوما بعد يوم " .

بين حوزتين علميتين :

ولقد ذكرت كتب الرجال ان تلامذة الشيخ الطوسي بلغوا من الشيعة فقط ثلاثمائة ، اما من السنة فلا يحصى .

وهذا العدد الذي تكاد المصادر تجمع عليه نراها عند تعداد اسمائهم لا تصل بهم الى اكثر من سنة وثلاثين اسما .

ولابد ان نتساءل عن هذا العدد من الطلاب والمحصلين ، هل هم من اركان حوزته العلمية في بغداد ، وقد انتقلوا معه الى النجف ، او انهم نشؤوا في النجف ، ونمت الحوزة العلمية بهم على عهده بالتدريج ، بحيث برز فيها العنصر المشهدي – نسبة الى المشهد العلوي - .

ورجحت بعض المصادر الاصولية : ان الشيخ عند هجرته الى النجف انفصل عن حوزته التي اسسها ببغداد ، وانشأ في مهجره النجف حوزة جديدة . وتستند في دعواها الى عدة مبررات . نلخصها بما يلي :

 اولا – ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي الى النجف لم يشيروا اطلاقا الى ان تلامذة الشيخ في بغداد رافقوه ، او التحقوا به فور هجرته الى النجف .

 ثانيا – ان قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد انهم لم يشيروا الى مكان التلميذ الا بالنسبة الى شخصين جاء النص على انهما تلمذا على الشيخ في النجف ، وهما الحسين بن المظفر بن علي الحمداني ، والحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي .

 ثالثا – ومما يعزز احتمال حداثة احوزة الدور الذي اداه ابن الشيخ المعروف بابي علي ، فقد تزعم الحوزة بعد ابيه . ومن المظنون انه كان في دور الطفولة او اوائل الشباب حين هجرة والده ، ذلك لانعدام تاريخ ولادته ، ووفاته ، ولكن الثابت تاريخيا انه كان حيا في سنة 515 هجري ، اي انه عاش بعد هجرة الشيخ قرابة سبعين عاما ، ويذكر عن حصيلة انه كان شريكا في الدرس عند ابيه مع الحسن بن الحسين القمي ، الذي ارجح كونه من الطبقة المتأخرة ، كما يقال عنه ان اباه اجازة سنة 455 هجري ، أي قبل وفاته بخمسين سنة ، وهو يتفق مع حداثة تحصيله .

فاذا عرفنا انه خلف اباه في التدريس والزعامة العلمية لحوزة في النجف ، بالرغم من كونه من تلامذته المتاخرين في اغلب الظن استطعنا ان نقدر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة ، ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكون .

والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الاساس هي : ان الشيخ الطوسي بهجرته الى النجف انفصل عن حوزته الاساسية في بغداد ، وانشأ حوزة جديدة حوله في النجف ، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم .

واذا عدنا فالقينا نظرة على هذا النص الذي يذكره المؤرخون بان تلامذة الشيخ من الشيعة بلغوا ثلاثمائة ، ومن السنة ما لا يحصى كثرة ، فمن المؤسف جدا ان هذا العدد الكبير من التلاميذ لم يصل لنا من اسمائهم الا ما يربو على الثلاثين وان الشيخ منتجب الدين بن ابويه القمي والمتوفى بعد عصر الشيخ بقليل ، لم يستطع الوقوف على اسمائهم ، فلم يذكر منهم في كتابه الفرست ، المطبوع في اخر البحار الا ستة وعشرين اسما ، وزاد عليهم العلامة السيد محمد مهدي بحر العوم في ( الفوائد الرجالية ) اربعة . فتمت عدتهم 30 ، وهؤلاء معروفون ذكرتهم مقدمات كتب الشيخ المطبوعة .

واضاف شيخنا آغا بزرك الطهراني لهذا الثبت اسماء ستة ، فأصبح العدد ستة وثلاثين ، وقال بعد ذلك : " وهؤلاء ستة وثلاثون عالما من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين . " .

وان كنا لا نستطيع القطع بان هذه المجموعة من التلاميذ تمثل بحق الحوزة النجفية او البغدادية .

ولا شك ان الحوزة العلمية التي اسسها الشيخ الطوسي في النجف الاشرف كانت فتحا كبيرا ، وفي الوقت نفسه كانت نواة للجامعة العلمية التي عاشت الاجيال .

ولكنها في الوقت نفسه لم تتمكن ان ترقى الى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي انجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي ، وذلك لحداثة هذه الحوزة . وان كانت هذه الهجرة الى النجف قد هيات له الفرصة للقيام بدوره العلمي العظيم لما اتاحت له من تفرغ تام لهذه الناحية المهمة .

وكان لابد لهذه الحوزة الفتية ان يمر عليها زمان حتى تصل الى مستوى من التفاعل العلمي والنضج الفكري لقبول افكار الشيخ وأرائه العلمية ، وتواكب ابداعه بوعي وتفتح .

ومن هذا التاريخ تدخل النجف المرحلة العلمية المنتظمة ، وتستمر بين شدة وضعف ، فتقطع اشواطا بعيدة في مسيرتها الجامعية ، وهي تسجل لمؤسسها دور القيادة والزعامة بكل تقدير واكبار .

                         *               *                *

بعد ان اوضحنا سبب هجرة الطوسي الى النجف وما واكبها من نشاط علمي ، يجدر بنا حينئذ ان نتحدث عن معالم الحوزة العلمية وهذا ما نتركه لمؤلف كتاب الوزة العلمية .