مناهج الدراسة وكتبها

مناهج الدراسة وكتبها

إنّ منهج الدراسة في النجف الأشرف يختلف عن المناهج العلمية في المدارس الحديثة حيث أن المنهاج في الحوزة العلمية في النجف الأشرف ينقسم إلى ثلاثة مراحل، ولكل مرحلة كتباً خاصة ومحاضرات محددة. وهذه المراحل الثلاثة هي:

مرحلة المقدمات:

تتولى هذه المرحلة دراسة المقدمات والعلوم التمهيدية الّتي تؤهل الطالب لفهم النصوص القرآنية والأحاديث المعتبرة مثل علم الصرف والنحو والبلاغة وعلم المنطق.

وهذه المرحلة تختلف عند الطلاب العرب عن غيرهم حيث أن الطالب العربي نتيجة لغته وذوقه العربي لا يدرس الكثير من العلوم العربية وإنما يدرس سنتين تقريباً بعض الكتب العربية لتعلم القواعد النحوية بينما الطلاب غير العرب يدرسون العلوم العربية في مدة تقرب من أربع سنوات حتّى يتمكنوا من القواعد العربية ويستوعبوا دقائقها ونكاتها.

الكتب الدراسية في العلوم العربية للطلاب العرب من مرحلة المقدمات:

يبدأ الطالب العربي عادة دراساته العربية بالكتب التالية:

أ ـ الأجرومية: وهو كتاب صغير يشتمل على أوليات القواعد العربية النحوية وقد ألفها ابن أجروم.

ب ـ قطر الندى وبل الصدى: لمؤلفه عبدالله بن يوسف بن أحمد بن هشام المتوفي عام 761 هـ 1340 م.

جـ ـ شرح ابن عقيل: إنّه كتاب يشتمل على أرجوزة تتكون من ألف بيت المعروفة بـ (ألفية ابن مالك) لأبي عبدالله جمال الدين محمّد بن مالك الطائي المتوفي عام 672 هـ 1251 م. وعلى شرح لقاضي القضاة بهاء الدين عبدالله بن عقيل العقيلي.

د ـ المختصر: لقد كتب أبو يعقوب السكاكي كتاب «مفتاح العلوم» في البيان والمعاني والبديع. وثم جاء من بعده الخطيب محمّد بن عبدالرحمن بن عمر القزويني المتوفي عام 739 هـ 1318 م ولخّص كتاب مفتاح العلوم وسمّاه بـ «تلخيص المفتاح».

ثم تولى مسعود بن عمر بن عبدالله الشيخ سعد الدين التفتازاني 791 هـ 1370 م شرح تلخيص المفتاح بأسلوبين أحدهما مفصل ومبسوط سماه بـ «المطول» وثانيهما بـ «المختصر».

وطلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف من أبناء اللغة العربية يدرسون المختصر.

الكتب الدراسية في العلوم العربية لغير طلاب العرب من مرحلة المقدمات:

وأما الطلاب غير العرب من الايرانيين والباكستانيين والهنود والأتراك فيبدأون بدراسة كتاب «جامع المقدمات» وهو كتاب كما يظهر من اسمه يحتوي على عدة كتب كلها من الكتب المقدماتية التمهيدية وهي:

1 ـ الأمثلة: كتاب صغير جداً في علم صرف اللغة العربية يتولى صرف مادة الـ«ضرب» في صيغ فعل الماضي والمستقبل والأمر والنهي والجحد والنفي والاستفهام واسمي الفاعل والمفعول، ويكون المجموع مائة وعشر كلمات. كتبه السيد شريف الجرجاني باللغة الفارسية.

2 ـ شرح الأمثلة: إنّ ميرزا محمّد بن سليمان التنكابني المتوفي عام 1302 هـ 1888 م قد شرح كتاب الأمثلة باللغة الفارسية وبيّن أصل كلّ كلمة من مائة وعشر كلمات وكيفية صياغتها من شكل إلى آخر وانتهائها إلى الشكل الجديد والصيغة النهائية. وهذا أيضاً كتاب يتحدث عن صرف اللغة العربية في حجم صغير أيضاً(20).

3 ـ صرف مير: كتاب في علم الصرف باللغة الفارسية يبين الأوزان للأفعال والمصطلحات الصرفية من المعتل والمهموز والصحيح والمثال.. وقد وضعه السيد شريف الجرجاني المتوفي عام 816 هـ 1395 م(21).

4 ـ التصريف: إنّه كتاب عربي يتحدث عن قواعد الصرف في اللغة العربية على نسق كتاب صرف مير المتقدم ذكره.

5 ـ شرح التصريف: لقد شرح ـ حسب الظاهر ـ الشيخ سعد الدين مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني المتوفي عام 71 هـ كتاب التصريف المتقدم في علم الصرف.

6 ـ عوامل ملا محسن: إنّه كتاب يبحث عن القواعد النحوية بصورة مختصرة... ويكون مؤلفه المولى محسن بن محمّد طاهر القزويني الّذي كان متمتعاً بالحياة عام 1128 هـ .

7 ـ عوامل النحو: هو كتاب صغير يبحث عن القواعد النحوية بصورة موجزة أيضاً. لقد ألفه الميرزا محمّد بن سليمان التنكاباني عام 1302 هـ 1881 م.

8 ـ الهداية: إنّه كتاب نحوي مختصر قيل أنّ مؤلفه أبي حيّان الأندلسي محمّد بن يوسف وقيل الزبير البصري بن أحمد الشافعي وقيل عبدالجليل بن فيروز القزويني وقيل ابن درستويه عبدالله بن جعفر.

9 ـ شرح إنموذج: يحتوي هذا الكتاب على متن للزمخشري وشرح لعماد الدين محمّد بن عبدالغني الأردبيلي.

10 ـ الفوائد الصمدية المعروف بالصمدية: وهي تشتمل على خمس حدائق للشيخ محمّد بن الحسن بن عبدالصمد الحارثي المعروف بالشيخ بهاء الدين العاملي وقد كتبه عام 975 هـ وتوفي عام 1079 هـ.

11 ـ البهجة المرضية: المعروفة بالسيوطي للحافظ عبدالرحمن جلال الدين بن أبي بكر السيوطي المتوفي 911 هـ حيث يكون شرحاً لألفية ابن مالك.

12 ـ مغني اللبيب: يحتوي هذا الكتاب على ثمانية أبواب ويدرس الكثير من الطلاب غير العرب الباب الأول في مفردات اللغة العربية والباب الرابع في أحوال الجمل الّتي لها محل من الإعراب والجمل الّتي لا محل لها من الإعراب.

13 ـ المطوّل: قد تقدم منا الحديث بأن مسعود بن عمر بن عبدالله الشيخ سعد الدين التفتازاني قد شرح تلخيص المفتاح بشرحين سمى أحدهما بالمختصر وثانيهما بالمطوّل والطلاب غير العرب يدرسون كتاب (المطوّل).

بقية الكتب الدراسية لمرحلة المقدمات:

إنّ الطلاب في الحوزة العلمية يدرسون إلى جانب دراستهم للعلوم العربية علم الفقه والمنطق ويتساوى جميع الطلاب أمام الكتب في هذين العلمين حيث يدرسون:

1 ـ الرسالة العملية في الفقه:

إنّ التقليد واجب على الطالب فيندفع إلى قراءة الرسالة العملية للمرجع

الّذي يقلده وهذه المادة في هذه المرحلة متروكة إلى الطالب وحسب مرجعه وتقليده.

2 ـ حاشية ملا عبدالله:

كتب سعدالدين التفتازاني المتوفي 792 هـ 1371 م كتاباً مختصراً مضغوطاً في علم المنطق باسم تهذيب المنطق والكلام ثم جاء المولى نجم الدين عبدالله بن شهاب الدين حسين اليزدي المتوفي 981 هـ وشرح المتن وعرف الكتاب بحاشية ملا عبدالله اليزدي.

3 ـ منطق المظفر:

وضع الحجة الشيخ محمّد رضا المظفر المتوفي عام 1390 هـ كتاب المنطق في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يبحث عن الألفاظ والكلي والمعرف والجزء الثاني عن القضايا وأحكامها والثالث عن الصناعات الخمس وذلك لتدريسه في كلية الفقه الّتي أسسها في النجف الأشرف وسرعان ما أصبح هذا الكتاب جزءاً من الكتب الدراسية الحوزوية في عالم التشيع.

هذه هي الكتب الّتي تدرس في مرحلة المقدمات الّتي تستوعب الطلاب العرب فترة سنتين ولغيرهم فترة أربعة أعوام تقريباً.

مرحلة السطوح:

إنّ طلبة الدراسات الدينية العرب وغير العرب يلتقيان في هذه المرحلة في الكتب الدراسية ومنهاج الحوزة حيث إنّ الطلاب يدرسون في مرحلة السطوح من كتب الفقه:

1 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: المشتملة على متن فقهي مختصر للشهيد الأول محمّد بن جمال الدين مكي العاملي (734 ـ 786 هـ) «1313 ـ 1365 م» وشرحه للشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي (911 هـ - 966 هـ) وتحرص الحوزة أساتذة وطلاباً على دراسة هذا الكتاب بجميع أجزائه ومجلداته لأنّ هذا الكتاب يجمع بين دفتيه جميع الأبواب الفقهية. ولا يتشرف الطالب بدراسة الأبحاث الفقهية بأسرها إلاّ إذا درس هذا الكتاب.

2 ـ المكاسب: للشيخ مرتضى الأنصاري المولود عام 1214 هـ والمتوفي سنة 1281 هـ وهو كتاب فقهي اجتهادي استدلالي يتناول أبحاث البيع والتجارة بكلّ أبعادها وتفاصيلها ومن المعروف لدى العلماء العظام أنّ من يستوعب هذا الكتاب ويفهم الأقوال والإستدلال والمناقشات العلمية يكون بالغاً مرتبة كبيرة من الاجتهاد.

كما يدرس الطلاب في هذه المرحلة من كتب اُصول الفقه:

اُصول المظفر للشيخ محمّد رضا المظفر صاحب كتاب منطق المظفر.

3 ـ الرسائل: للشيخ الأنصاري صاحب كتاب المكاسب الآنف الذكر. وهذا الكتاب يشتمل على أبحاث القطع والظن والاُصول العملية والتعارض والتراجيح.

أو يقرأون الحلقة الثانية ذات المجلد الواحد من علم الاُصول أو الحلقة الثالثة ذات المجلدين الأول لأبحاث الألفاظ والثاني للاُصول العقلية.

وقد وضع الشهيد السعيد السيد محمّد باقر الصدر الحلقات الثلاثة في علم الاُصول المتدرجة من الأبحاث البسيطة للمبتدأ وحتّى نهاية مرحلة السطوح.

ثم يقرأ الطالب جزئي كفاية الاُصول للمحقق الخراساني المتوفي عام 1329 هـ 1908 م يبحث المجلد الأول عن الألفاظ والمجلد الثاني عن الاُصول العقلية.

وبانتهاء هذا الكتاب تنتهي مرحلة السطوح الّتي تستمر عادة أربعة أعوام دراسة ويصبح صالحاً للالتحاق بمرحلة الخارج.

مرحلة الخارج:

تعتبر هذه المرحلة بداية التحقيق وابداء النظر والاجتهاد وحيث يحضر الطالب بحث الاُصول وبحث الفقه ومن اللازم عليه أن يكون في مستوى استيعاب الدرس الّذي يستغرق ثلاثة أرباع الساعة أو أكثر من دون كتاب يقرأ فيه ولهذا تسمى هذه المرحلة بالخارج لأن الاُستاذ يلقي الدرس من دون كتاب ويجب على الطالب الانتباه الكامل إلى الدرس لاستيعابه فيكون التدريس من خارج الكتاب.

لقد اعتاد علمائنا المحققون أن يدرّسوا علم اُصول الفقه في مرحلة الخارج على ترتب أبحاث كتاب كفاية الاُصول حيث يستعرض الموضوع ويذكر آراء أساطين العلماء مثل صاحب الكفاية والشيخ الأنصاري والشيخ النائيني والشيخ الأصفهاني والشيخ العراقي ويذكر مناقشة كلّ واحد منهم على الآخر ثم يختار الاُستاذ رأيه في المسألة ويستدل على ذلك بالأدلة الّتي يعتبرها قويمة ويجيب على المناقشات فيخرج برأي في ذلك الموضوع. وعلى التلميذ أن يراجع المصادر والكتب لكي يعرف بأن نقل الاُستاذ لتلك الأقوال صحيحة أم لا؟ ثم يتأمل في أن البراهين الّتي يستدل بها الاُستاذ هل هي سديدة أم تكون قابلة للطعن والاعتراض؟ وهنا تكمن القدرة العلمية للتلميذ فبمقدار ما يجتهد ويعتني بالدرس يتقدم أكثر ويشتهر بالفضل أكثر ويبلغ درجة الاجتهاد أسرع.

كما اعتاد الفقهاء على تدريس الفقه في مرحلة الخارج على ترتيب وتنظيم كتاب العروة الوثقى للسيد كاظم الطباطبائي اليزدي، حيث يستعرض آراء الفقهاء قديماً وحديثاً ويذكر أدلتهم ثم يناقش تلك الأقوال والبراهين ويستخلص فتواه وهكذا.

وعلى التلميذ الطالب مراجعة الكتب والأحاديث والتمعن في تلك الأقوال وبراهينها والأحاديث وأسانيدها ومتنها ونسخها، كي يتوصل إلى فتوىً يتبناها ويسلك في حياته الشخصية على ضوء ذلك.

وبعد حضور الطالب دورة من علم اُصول الفقه وسنين عديدة لعلم الفقه

على يد علماء وفقهاء مراجع وأساتذة حضور تدبر واستيعاب يصير الطالب مجتهداً واُستاذاً معروفاً لدى العلماء.

وقد تستغرق دراسة أبحاث علم اُصول الفقه من أولها إلى آخرها مدة تتراوح من ثمانية أعوام إلى عشرة أعوام حسب كيفية تدريس الاُستاذ من ناحية التعمق والتوسع وعدمها.

كما أنه لا يمكن تدريس الفقه من أول كتاب الفقه إلى نهاية كتاب الديات، لأنّ البحث طويل وطويل وعمر الإنسان لا يفي بذلك ولا حاجة إلى دراسة جميع أبواب الفقه بل لو درس الطالب فترة ستة أو ثمانية أعوام علم الفقه دراسة تفقه وانتباه أصبح مجتهداً متمرساً على الاجتهاد والاستنباط في جميع أبواب الفقه. ويختلف ذلك باختلاف درجة الذكاء والانتباه والجد والنشاط للطالب، فقد يحتاج البعض لعشرين سنة دراسة في بحث الخارجوربمالا يبلغ درجة الاجتهادفيها.