بداية الحوزة العلمية الدينية في النجف

الشيعة قد تهافتوا على قبر وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما انتشر خبر ظهور القبر وبناء القبة عليه من قبل هارون الرشيد. ولكننا لا نستطيع التحديد الدقيق لبداية الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف ولمؤسسيها بكلّ سهولة وبساطة، إذ توجد في المقام نظريتان هما:

النظرية الاُولى:

إن الحركة العلمية الدينية قد انطلقت في النجف الأشرف قبل مجيء الشيخ الطوسي إليها بأعوام كثيرة، وإن طلاب العلوم الدينية قد وفدوا على النجف الأشرف، وأقاموا نواة الحوزة العلمية، منذ الأيام الاُولى بعد تخفيف الطوق على مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وكان التحاق الشيخ الطوسي(رحمه الله) عام 448 هـ 1027 م من قبيل اطلالة بدر منير على النجوم المضيئة في السماء العلمي والديني والفكري للنجف حيث غيّر المعالم العلمية والفكرية في هذه الحوزة المباركة، وبعث فيها روحاً جديدة، وأوجد نهضة علمية في النجف الأشرف لم تعهدها من قبل.

واستدل صاحب هذه النظرية بالأدلة التالية(14):

الدليل الأول:

إن النقابة الّتي هي مركز اجتماعي مرموق كانت موجودة في النجف الأشرف منذ الأيام الاُولى من سكنى الناس حول قبر أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهي أقرب إلى المنصب الروحي والعلمي من كونها وراثيّة. وقد ذكرت الكتب التاريخية أن عدداً من الأعلام تولّوا نقابة المشهد العلوي. منهم السيد شريف الدين محمّد المعروف بابن السدرة أقام في النجف عام 308 هـ 887 م حتّى توفّى فيه. وكذلك ناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمّد بن الحسين وقد تولّى نقابة المشهدين العلوي والحسيني(عليهما السلام)(15).

ولما كانت النجف الأشرف مدينة مقدسة لضمّها جثمان وصي رسول الله عليهما الصلاة والسلام، كانت النقابة لأولاد الزهراء سلام الله عليها، وبما أن المركز الروحي العلمي أفضل وأشرف، كانت النقابة للعالم منهم وكان نقيب الأشراف من العلماء المنحدرين من سلالة الزهراء عليها الصلاة والسلام.

مناقشة الدليل الأول:

لاريب في أن النقابة كانت تعدّ من المراكز الرفيعة بعد مقام الخلافة، وأن النقيب كان يتقدم على رجال الدولة بأسرهم حتّى الصدر الأعظم وشيخ الإسلام وأن الخلفاء العباسيّين قد عهدوا إلى نقيب الأشراف إمارة الحاج وديوان المظالم، واستمر هذا الاحترام والتكريم حتّى حلول أيام العثمانيين الأتراك، ولكننا لم نعثر في التاريخ على أنّ عالماً فاضلا قد تصدّى لهذا المركز الرفيع حتّى نقول إن النقيب في النجف الأشرف كان عالماً.

ولعل المقصود من قولهم: (وهذا المركز أقرب إلى الروحي من غيره) هو العدالة والورع والتقى، لا العلم والبحث والتحقيق، لأن هذا المنصب يحتاج إلى العدل والإنصاف تجاه الناس دون العلم والفقه والتحقيق.

يقول الرحّالة ابن بطوطة: (ونقيب الأشراف مقدم من ملك العراق ومكانه عنده مكين ومنزلته رفيعة وله ترتيب الاُمراء الكبار في سفره وله الأعلام والأطبال وتضرب الطبلخانة عند بابه مساءً وصباحاً.

وإليه حكم هذه المدينة ولا والي بها سواه، ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره وكان النقيب ـ في عهد دخولي إليها ـ نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي نسبة إلى بلدة آوه من عراق العجم أهلها رافضة.

وكان قبله جماعة يلي كلّ واحد منهم بعد صاحبه: منهم جلال الدين بن الفقيه ومنهم قوام الدين بن طاووس ومنهم ناصر الدين مطهر بن الشريف الصالح شمس الدين محمّد الأوهري من عراق العجم وهو الآن بأرض الهند من قدماء ملكها ومنهم أبو غرّة بن سالم بن مهنى بن جماز بن شيحة الحسيني المدني)(16).

ولا نجد في هؤلاء النقباء ولا في غيرهم من النقباء نقيباً عالماً حتّى ندعي بأن النقيب في النجف الأشرف كان من سلالة الزهراء سلام الله عليها ومن أهل العلم والفضل والاجتهاد.

الدليل الثاني:

إن هناك بيوتات علمية لامعة في النجف الأشرف في قرني الرابع والخامس مثل آل شهريار وآل طحال وغيرهما، وقد تشرّفت هذه الاُسر بالعلم وسدنة الروضة الحيدرية(17). وهذا دليل على أن النجف الأشرف قد حظيت بجامعة علمية في القرن الرابع قبل وصول شيخ الطائفة إليها من خلال هذه البيوت العلميّة.

مناقشة الدليل الثاني:

لاشك في أن آل شهريار من الاُسر العلمية العريقة في النجف الأشرف ولكنها كانت في أوائل القرن الخامس ـ يقول الشيخ جعفر باقر آل محبوبة (عرفت آل شهريار ـ بالنجف واشتهرت أوائل القرن الخامس الهجري على عهد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي)(18).

ويقول صاحب طبقات أعلام الشيعة (أحمد بن شهريار الخازن أبو النصر والد أبي عبدالله محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن للحضرة الغروية والراوي عن الطوسي)(19) فلا نجد في هذه العائلة الكريمة شخصية تتمتع بالعلم قبل وصول الشيخ الطوسي إلى هذه البلدة الطيبة.

وكذلك آل طحّال حيث انهم أيضاً من الاُسر العلمية القديمة في النجف الأشرف. يقول الشيخ جعفر باقر آل محبوبة (آل طحّال من اُسر العلم القديمة في القرن الرابع عرفت في النجف في ذلك العصر)(20) ويستمر قائلا في ترجمة الشيخ حسن بن محمّد بن الحسين بن أحمد بن محمّد بن عليّ بن طحّال المقدادي: (كان من خدّام الحضرة العلوية وخزّانها اشترك مع والده في نقل الكرامة الّتي وقعت في نوبتهما عام 575 هـ ونقل هو كرامات دفعت في عصره من القبلة العلوية في سنة 584 وفي سنة 587 هـ )(21).

ويقول آل محبوبة في ترجمة الشيخ الأمين (الإمام العالم أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن محمّد بن عليّ بن طحّال المقدادي هو أشهر رجال هذه الاُسرة وأبعدهم صيتاً وأكثرهم رواية وأغزرهم علماً ـ ثم يقول ـ المقدادي المجاور بمشهد مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) من أكابر علمائنا ومن مشائخ

ابن شهرآشوب)(22) وعليه لا نعثر على عالم واحد من هذه الاُسرة الكريمة آل طحّال قد عاش في النجف الأشرف قبل وصول الشيخ الطوسي إليها.

ولو سلمنا جدلا بأن المتصدي للخزانة العلوية من الاُسرتين آل شهريار وآل طحال كانوا من ذوي العلم والفضيلة، لما كان هذا دليلا على أنهم تعلموا وتفقهوا في الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف إذ يمكن أن تكون دراستهم في الكوفة أو بغداد من المدن الّتي احتضنت الجامعات الدينية العلمية آنذاك، ثم جاؤوا إلى النجف واستقروا فيها وأصبحوا من علماء البلاد.

الدليل الثالث:

أنشد الشاعر أبو عبدالله الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجّاج عندما زار النجف الأشرف في أواخر القرن الرابع الهجري قصيدة مطلعها:

يا صاحب القبة البيضا على النجف *** من زار قبرك واستشفى لديك شفي

وفيها:

وقل سلام من الله السلام على *** أهل السلام وأهل العلم والشرف(23)

فيقال بأن المعنيِّ من قوله «أهل العلم» العلماء والمحدّثون الّذين كانوا في النجف الأشرف قبل حلول الشيخ الطوسي فيها.

مناقشة الدليل الثالث:

إنّ أبا عبدالله الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج المتوفّى عام 391 هـ 970 م من الشعراء العراقيين المعروفين وأنه أنشد قصائد كثيرة في الجد والهزل. كما أنشد قصائد في مدح أهل البيت(عليهم السلام) منها الأبيات المذكورة وفيها:

إذا وصلت إلى أبواب قبته *** تأمل الباب تلقى وجهه وقف

وقل سلام من الله السلام على *** أهل السلام وأهل العلم والشرف

إني أتيتك يا مولاي من بلدي *** مستمسكاً من حبال الحقّ بالطرف(24)

فتعرف من سياق هذه الأبيات أن الشاعر يخاطب صاحب القبة الإمام عليّ(عليه السلام)وهو أهل السلام والشرف والعلم دون سكان النجف الأشرف من العلماء والفقهاء.

الدليل الرابع:

إننا نجد في التراجم علماء انتموا إلى النجف الأشرف قبل أيام الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى. منهم:

أ ـ أحمد بن عبدالله الغروي، يروي عن أبان بن عثمان من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)(25) وهو من المنتسبين إلى الغري الّذي هو النجف الأشرف. ومن الواضح أن من يروي عن أبان بن عثمان يكون في أواخر القرن الثاني أو بداية القرن الثالث، في حين أن الشيخ الطوسي قد ولد في أواخر القرن الثالث فيكون أحمد بن عبدالله الغروي من العلماء والمحدّثين النجفيين قبل الشيخ الطوسي.

ب ـ شرف الدين بن عليّ النجفي، وقد وصفه الشيخ الطوسي بقوله: «كان صالحاً فاضلا»(26).

وتوصيف الشيخ الطوسي لشرف الدين النجفي بالفضل والصلاح، دليل على أن مدينة النجف كانت تحتوي على علماء وفضلاء قبل حلوله فيها عام 448 هـ .

جـ ـ أبو طاهر عبدالله بن أحمد بن شهريار، أبو طاهر: كان معاصراً للشيخ المفيد، يروي عنه أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، والنجاشي في كتاب الإمامة(27) ويعد الشيخ المفيد من مشائخ الشيخ الطوسي، فيكون عبدالله بن أحمد بن شهريار المعارص للشيخ المفيد في طبقة متقدمة على الشيخ الطوسي.

د ـ أحمد بن شهريار، وهو يختلف عن والد أبي طاهر المتقدم ـ أبو نصر الخازن للحضرة الغروية كان من رجال العلم وحملة الحديث معاصراً للشيخ الطوسي(28).

ومن المعلوم أن أحمد بن شهريار كان معاصراً للشيخ الطوسي، كما أن عبدالله كان معاصراً للشيخ المفيد المتوفي عام 413 هـ 992 م وهما شاهدان على احتضان النجف الأشرف للعلم والعلماء قبل القرن الرابع أو على الأقل قبل النصف الثاني من القرن الرابع سنة وفود الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف.

 

مناقشة الدليل الرابع:

إذا دققنا النظر في كلّ واحد من الرجال المذكورين، لعلمنا بأن هؤلاء ليسوا من طبقة متقدمة على الشيخ الطوسي(رحمه الله).

وإليك تفصيل ذلك:

أ ـ إن أحمد بن عبدالله الغروي لا ينتمي إلى الغري بالغين المعجمة وإنما ينتسب إلى القروي بالقاف. بمعنى القرية، كما يصرّح بذلك السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث): (أحمد بن عبدالله القروي روى عن أبان بن عثمان وروى عنه الحسين بن سعيد)(29).

ب ـ إن شرف الدين بن عليّ النجفي الموصوف ـ حسب الدعوى ـ لدى الشيخ الطوسي بالفضل والصلاح لمّا يتأكد تقدمه على الشيخ الطوسي، كما انه لم يتأكد صدور الأوصاف منه في شرف الدين بن عليّ النجفي يقول السيد

الخوئي حفظه الله: (شرف الدين بن عليّ قال الشيخ الحرّ في تذكرة المتبحرين الشيخ شرف الدين بن عليّ النجفي كان فاضلا محدّثاً صالحاً له كتاب الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة)(30) حيث ينقل السيد الخوئي حفظه الله بأن الشيخ الحر العاملي هو الّذي وصفه بالأوصاف المذكورة، وعليه لا يوجد دليل قطعي على أن شرف الدين بن عليّ كان موجوداً قبل الشيخ الطوسي. بل هو متأخر عنه راجع أعيان الشيعة(31).

ثم إنه إذا فرضنا بأن الشيخ الطوسي قد وصفه بتلك الأوصاف، فلا برهان على أنه تعلم في النجف الأشرف، إذ يمكن أنه تعلم في حوزة علمية اُخرى غير النجف الأشرف ثم استقر فيها.

جـ ـ أما أبو طاهر عبدالله بن شهريار وأحمد بن شهريار، فهما وإن كانا من اُسرة آل شهريار ولكن يرد:

أولا: لم يقدّم التاريخ شاهداً واحداً على أن رجالا من هذه الاُسرة المشهورة قد سبقوا الشيخ الطوسي في تشييد الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

ثانياً: إذا فرضنا أن بعض الأفراد من هذه الاُسرة الجليلة قد تفقهوا وبلغوا مستوىً رفيعاً من العلم نتيجة دراستهم في النجف الأشرف، فإنّ من الجائز أنهم أخذوا العلم وطلبوه في مكان آخر ثم استقروا في مشهد الغري.

ثالثاً: إن أحمد بن شهريار الخازن أبو النصر في طبقة متأخرة عن الشيخ الطوسي حيث يروي عن أبي جعفر الطوسي. ففي طبقات أعلام الشيعة أحمد بن شهريار الخازن أبو النصر والد أبي عبدالله محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن للحضرة الغروية والراوي عن الطوسي(32).

كما وأنني لم أعثر على اسم أبي طاهر عبدالله الخازن بن أحمد بن شهريار في كتب الرجال المعتبرة من الطبقات والرياض والروضات وفهرست منتجب الدين وأمل الآمل. ولعل الاسم هو أبي عبدالله محمّد بن أحمد بن شهريار وهو صهر الطوسي على ابنته وتلميذه(33).

الدليل الخامس:

ذكر السيد ابن طاووس غياث الدين عبدالكريم بن أحمد(34) أن فناخسرو الملقب بعضد الدولة الّذي كان وزير الطائع لله أبو الفضل عبدالكريم العباسي عندما قام بزيارة المشهد العلوي الطاهر عام 371 هـ وتصدّق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم كان نصيب الفقراء والفقهاء، ثلاثة آلاف درهم.

فتوزيع الأموال على الفقهاء عام 371 هـ 951 م خير دليل على تواجد الفقهاء والعلماء في النجف الأشرف وتكوين الحوزة قبل وفود شيخ الطائفة عليها بنصف قرن تقريباً.

مناقشة الدليل الخامس:

كان عضد الدولة من البويهيين الشيعة الموالين لأهل البيت(عليهم السلام)، والفقهاء والمحدّثين المنتهجين لمنهج آل الرسول(عليهم السلام)، وكانوا يبذلون في هذا السبيل أموالا طائلة. يقول الدكتور حسين أمين عند ذكره لعضد الدولة (وكان ينفق كلّ جمعة عشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل ويصرف كلّ سنة ثلاث آلاف دينار ثمن أحذية للحفاة من الحجاج وعشرين ألف درهم كلّ شهر لتكفين موتى الفقراء واستحدث ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء ـ إلى أن قال ـ، وكان يحب العلم والعلماء، ويجري الأرزاق على الفقهاء والمحدّثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والأطباء والحُسّاب والمهندسين، وأفرد لأهل الإختصاص من العلماء والحكماء موضعاً يقرب من مجلسه(35).

ومن كان هذا عطائه كيف نقول بأنه يزور النجف الأشرف وينفق على مجموع فقرائها وفقهائها ثلاثة آلاف درهم؟!...

ولعلّ المقصود من الفقهاء علماء البلد الّذين يتصدّون للشؤون الدينية في المجتمع الإسلامي من إقامة صلاة الجماعة وإجراء عقد النكاح والتحكيم بين الناس لفضّ الخصومات، وبيان المسائل الشرعية وهم قليلون جداً.

الدليل السادس:

صدرت إجازات لنقل الحديث من عالم لآخر في مدينة النجف الأشرف وقرأت فيها روايات على بعض العلماء والمحدّثين قبل وفود الشيخ الطوسي على هذه البلدة المباركة. وإليك أمثلة على ذلك:

أولا: إن محمّد بن عليّ بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق(رحمه الله) قد سمع من شيخه محمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي عام 354 هـ في مشهد أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو في طريقه إلى الحج(36).

ثانياً: قال النجاشي(37) في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة (أبو عبدالله البوشنجي) كان عراقياً مضطرب المذهب وكان ثقة فيما يرويه. له كتاب «عمل السلطان» أجازنا بروايته أبو عبدالله بن الخمري (الحسين بن جعفر بن محمّد المخزومي المعروف بابن الخمري الكوفي) الشيخ الصالح في مشهد مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) سنة أربعمائة عنه)(38).

فسماع الشيخ الصدوق(رحمه الله) من شيخه في مشهد أمير

المؤمنين(عليه السلام) عام 354 الهجري. وصدور الإجازة من أبي عبدالله الخمري للنجاشي في المشهد العلوي عام 400 بعد الهجرة خير شاهد ودليل على أن الحوزة العلمية كانت قائمة، والعلماء كانوا يتداولون الأبحاث العلمية والدراسات الفقهية قبل ولادة الشيخ الطوسي، حيث انه ولد عام 385 هـ 964 م وقبل أن يلقى عصا رحله في النجف الأشرف عام 448 هـ .

مناقشة الدليل السادس:

إن مجرد استحصال النجاشي لإجازة نقل الرواية من أبي عبدالله بن الخمري في الغري، واستماع الشيخ الصدوق للأحاديث من شيخه بن الفضل في المشهد العلوي(عليه السلام)، لا يكون شاهداً على أن البلد الّذي يحتضن اللقاء العلمي والفكري يكون مركزاً علمياً، ومحلا لتجمع العلماء. وذلك إننا نعثر على شخصيات علمية كبيرة التقوا بأندادهم، وتبادلوا الروايات والأحاديث المأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام)، أو استجاز أحدهم الآخر لنقل كتاب علمي أو رواية شريفة، في أماكن لا تكون محلا للنشاط العلمي والفكري والروائي أبداً. وإليك أمثلة على ذلك:

أولا: أن أبا الحسن عليّ بن بابويه والد الصدوق المتوفى عام 329 هـ 1082 م رحمة الله عليهما، قد روى عن شيخه إبراهيم بن عمروس الهمداني في همدان(39). كما أن محمّد بن عليّ بن بابويه القمي قد كتب إجازة لفضل بن الفضل بن العباس بهمدان(40) عام 354 هـ 933 م مع أن مدينة همدان لم تكن آنذاك مركزاً للعلم والعلماء، رغم أنها حظيت بوكلاء نوّاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه حيث كان كلّ من القاسم بن محمّد بن عليّ بن إبراهيم الهمداني ووالده محمّد وجده عليّ بن إبراهيم وكلاء لنواب الإمام المهدي(عليه السلام) في هذا البلد(41) أيام الغيبة الصغرى.

ثانياً: قرأ الشيخ الصدوق على شيخه الحسين بن محمّد الأشنائي الرازي العدل في مدينة بلخ(42). ولم نعهد في التاريخ أنّ هذه المدينة كانت محلا لتجمع العلم والعلماء وخاصة علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري.

ثالثاً: روى جعفر بن محمّد بن إبراهيم عن أبي الحسين بحلب(43). ولم تقم شواهد تاريخية على وجود تجمع للعلماء وحوزة علمية في حلب في القرن الرابع الهجري الّذي عاش فيه جعفر بن محمّد بن إبراهيم.

وعليه نقول ان مدينة النجف الأشرف لم تتمتع بحركة علمية قبل وفود شيخ الطائفة إليها، رغم حصول بعض الإجازات لنقل الرواية، وحصول إستماع بعض الروايات من كبار العلماء والمحدّثين في مشهد إمامنا ومولانا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام). لقد كانت ولا تزال مدينة النجف الأشرف ملتقى العلماء والمحدّثين القادمين من البلاد المختلفة وذلك ببركة مرقد إمام المتقين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، حيث أن المؤمنين وخاصّة العلماء يتهافتون على زيارة المرقد الطاهر لا سيّما في المناسبات الخاصّة ويوصون أولادهم بدفن جثمانهم عند قبر عليّ بن أبي طالب(عليه السلام). ومن الطبيعي أن تتم لقاءات كثيرة في هذا المشهد المبارك بين العلماء، وأن تصدر الإجازة من بعضهم لآخر على نقل حديث أو استماع بعضهم لقراءة حديث الآخر. كما كان الأمر كذلك في مكة لدى موسم الحج. حيث ورد في ترجمة حياة عليّ بن عثمان بن خطاب (كتب عنه أحاديث أميرالمؤمنين(عليه السلام) من المصريين والشاميين والبغداديين وغيرهم ممن حضر موسم مكة سنة 309 هـ 888 م أيام المقتدر)(44) فكلّ ذلك شاهد ودليل على أن النجف الأشرف لم تحتضن الحوزة العلمية قبل وفود الشيخ الطوسي إليها رغم اللقاءات المتكررة بين العلماء وصدور الإجازات في نقل الحديث والكتاب في هذا المشهد الكريم.

هذا كلّه بالنسبة إلى النظرية الاُولى الّتي تقول بأن النجف الأشرف كانت مدينة علم وحوزة للعلماء يقدم إليها طلاب العلوم الدينية ويدرسون فيها ويتخرجون منها. ولكننا قد ناقشنا الأدلة والشواهد المطروحة واستخلصنا من كلّ ما تقدم أنه لا يوجد دليل يدعم هذه النظرية المذكورة.

النظرية الثانية:

إن الجامعة العلمية الدينية في المشهد العلوي قد تكونت على يد شيخ الطائفة الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي بعد هروبه من فتن بغداد والنزاعات الطائفية الّتي أدّت إلى إحراق مكتبته وكرسيّه لتدريس علم الكلام ووفوده إلى النجف عام 448 هـ 1028 م. واستدل أصحاب هذه النظرية بالألة التالية.

الدليل الأول:

كانت الكوفة ناشطة في مجال العلم والحديث والفكر في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، وكانت مَجْمعاً للعلماء والمحدّثين، ومهوىً لطلاب العلوم الإسلامية والراغبين في الأحاديث الشريفة. ومن الصعوبة جداً أن تتاح الفرصة، وتلتئم الظروف لتأسيس مركز علمي في النجف الأشرف الواقعة على بعد كيلومترات عشرة من حوزة علمية فاعلة ونشيطة في الكوفة.

وإليك نبذة يسيرة عن تأسيس الكوفة ومركزها العلمي ورجالاتها الفكرية، ومستوى تحرّك العلماء من مختلف أرجاء العالم الإسلامي نحو هذه المدينة المباركة.