قول ضِرَار بْن ضَمْرَة في علي

قول ضِرَار بْن ضَمْرَة في علي

روي في يوم من الايام ان دَخَلَ ضِرَارُ بْنُ ضَمْرَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ, فَقَالَ لَهُ ـ معاوية ـ : صِفْ لِي عَلِيّاً؟

فَقَالَ لَهُ : أَوَتُعْفِينِي مِنْ ذَلِكَ؟

فَقَالَ : لَا أُعْفِيكَ.

فَقَالَ : كَانَ وَاللَّهِ بَعِيدَ الْمُدَى ، شَدِيدَ الْقُوَى ، يَقُولُ فَصْلًا ، وَيَحْكُمُ عَدْلًا ، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ ، وَتَنْطِفُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَوَحْشَتِهِ.

كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الْعَبْرَةِ ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ ، وَيُنَاجِي رَبَّهُ ، يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ، وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ .

كَانَ وَاللَّهِ فِينَا كَأَحَدِنَا ، يُدْنِينَا إِذَا أَتَيْنَاهُ ، وَيُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ ، وَكُنَّا مَعَ دُنُوِّهِ مِنَّا وَقُرْبِنَا مِنْهُ لَا نُكَلِّمُهُ لِهَيْبَتِهِ ، وَلَا نَرْفَعُ أَعْيُنَنَا إِلَيْهِ لِعَظَمَتِهِ ، فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ ، وَ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفَ مِنْ عَدْلِهِ ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ ، وَ قَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ ، قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ ، فَكَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُهُ وَ هُوَ يَقُولُ : يَا دُنْيَا ، يَا دُنْيَا ، أَ بِي تَعَرَّضْتِ ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟ هَيْهَاتَ ، هَيْهَاتَ ، غُرِّي غَيْرِي ، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ ، قَدْ أَبَنْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ لِي فِيهَا ، فَعُمُرُكِ قَصِيرٌ ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ ، آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ ، وَبُعْدِ السَّفَرِ ، وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ ، وَعِظَمِ الْمَوْرِدِ .

فَوَكَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَنَشَفَهَا بِكُمِّهِ، وَاخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ .
ثُمَّ قَالَ ـ معاوية ـ : كَانَ وَاللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ كَانَ حُبُّكَ إِيَّاهُ؟

قَالَ : كَحُبِّ أُمِّ مُوسَى لِمُوسَى ، وَأَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ مِنَ التَّقْصِيرِ .

قَالَ : فَكَيْفَ صَبْرُكَ عَنْهُ يَا ضِرَارُ ؟

قَالَ : صَبْرَ مَنْ ذُبِحَ وَاحِدُهَا عَلَى صَدْرِهَا، فَهِيَ لَا تَرْقَى عَبْرَتُهَا ، وَلَا تَسْكُنُ حَرَارَتُهَا .

ثُمَّ قَامَ وَخَرَجَ وَهُوَ بَاكٍ .

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُونِي لَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يُثْنِي عَلَيَّ مِثْلَ هَذَا الثَّنَاءِ !

فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ حَاضِراً: الصَّاحِبُ عَلَى قَدْرِ صَاحِبِهِ" ثم قام فخرج [1].

 


[1] الأصبهاني, أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني حلية الأولياء وطبقات الأصفياء, 1 /143؛اوللعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة : 1110 هجرية , بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار:): 84 / 156 ، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .