مسجد الخضراء أو الخضرة

    ويقع في منطقة التقاء الضلع الشمالي بالشرقي من السور الطابوقي الخارجي، ويعتبر من المساجد القديمة، ولا يُعرف سبب تسميته بجامع الخضراء، فيذكر الشيخ جعفر(لا نعلم الوجه في تسميته بهذا الاسم، ويمكن أن يكون أحدث من الحضرة الشريفة فعرف بمسجد الحضرة ثم صحّف، أو كانت فيه خضرة فعُرف بها)[1]، و(الخضرة صنعها درويش هندي في الساحة المتصلة بالمسجد فيما يقارب       عصر الملالي في النجف، واشتهر بمسجد الخضرة من ذلك التاريخ)[2]، وهناك رأي ثالث للحاج حسين الشاكري بالتسمية(إن هذا المسجد بنته الخضراء أخت عمران بن شاهين)، علّق عليه السيد عبد المطلب الخرسان بأن هذه المعلومة لم يَذكر الشاكري مصدرها ولم يجد لها الخرسان ذكراَ في المصادر، وإن الخضراء تسمية جديدة للمسجد تعارف عليها الناس في هذا القرن بعد أن كان اسمه مسجد الخضرة.

    وذكر الشيخ جعفر محبوبه أن البراقي ينسب هذا المسجد إلى علي بن مظفر النجار صاحب الرؤيا، والذي كانت له حصّة في ضيعة أخذت منه غصباً، فزار مرقد أمير المؤمنين(عليه السلام) شاكياً، ونذر أن يعمل مسجدا من ماله إن ردّت له حصته، فردت إليه لكنه غفل عن النذر فرأى في المنام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له (يا علي يوفون بالنذر)، فأجاب: حباً وكرامةً يا أمير المؤمنين، وأصبح واشتغل في عمله، لكن السيد الخرسان يذكر أن الرؤيا والكرامة لا تدل على بناء مسجد الخضراء بل جاء في الرواية كلمة مجلس كما نقلت من(الغارات) و(بحار الانوار)، وقد نقلها الشيخ جعفر بكلمة مسجد[3].

     في شهر رجب سنة(1368هـ) هدمت الحكومة ثلثاً منه، وأخذته توسعة للطريق المحيط بالصحن الشريف من سائر جوانبه، وأخذت الكثير من المحلات والدور والمقابر لهذه التوسعة، بالإضافة إلى حمامان كبيران هما من أقدم حمّامات المدينة وأكبرها يسميان بحمّامَي الحضرة، لقربهما من الصحن الشريف وموقعهما في جهة الغرب إلى جهة القبلة[4]

      وفي ثمانينيات القرن الماضي الميلادي، أمر آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) بإعادة بناء المسجد بعد هدم البناء القديم، وسعى في إعادة بنائه وأشرف عليه الشهيد السعيد حجة الإسلام الشيخ ميرزا أحمد الأنصاري، وكان السيد الخوئي(قدس سره) يؤم الجماعة فيه، كما اتخذه مقراً لإلقاء دروسه العلمية، فقد تخرّج عليه في هذا المسجد المئات من المجتهدين الذي انتشروا في مختلف البلاد، منهم مراجع التقليد في النجف الأشرف وبعض مراجع التقليد في قم المقدسة، وعندما تدهورت صحته وترك التدريس أقام مكانه صهره آية الله العظمى السيد نصر الله المستنبط (قدس سره)، وبعد وفاة السيد المستنبط أقام السيد الخوئي(قدس سره) سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف) للتدريس وإمامة الجماعة واستمر على ذلك عدة سنوات، ثم قامت إدارة الأوقاف التابعة للنظام العفلقي البائد بغلق المسجد بحجة الترميم[5]

     وللمسجد بابان، داخلي يطل على الصحن الشريف يقع في الإيوان الثالث من الأواوين الشرقية على يمين الداخل من باب مسلم بن عقيل(عليه السلام) جنب مقبرة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي(قدس سره)، يؤدي بعد مدخل صغير يطل على مقبرة السيد الخوئي(قد) من جهة وعلى المسجد من جهة أخرى، وباباً أخرى ضمن الجهة الخارجية للسور الطابوقي، والداخل منه يصل إلى ساحة تبلغ مساحتها(187متر نربع) تتخللها أمكنة للوضوء ومنشآت أخرى وفوقها طابق ثانٍ، وسقفها يتخذ شكل المثلث مصنوع من الزجاج المظلل المدعم بالإطارات الحديدية.

     ومجاور هذه الساحة يقع المسجد الذي تبلغ مساحته( 166متر مربع )، أُنشأ فيه محراب نقش بالآيات القرآنية الكريمة والزخارف الإسلامية وأرخ بتاريخ(1385هـ)، وتاريخ آخر بسنة(1386هـ)، وقد كتب على احد جوانب المحراب: (لقد تم تجديد بناء جامع الخضراء تنفيذا لأمر سماحة الامام اية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي(قد)، وفي الجانب المقابل من المحراب كتب الآتي: (لقد سعى في تجديد هذا الجامع المبارك الشهيد حجة الإسلام والشيخ احمد الأنصاري طاب ثراه وكان ذلك في سنة 1385هـ).

     وضمن قاعة الصلاة للمسجد وعلى الواجهة التي تفصل بين الشباكين المطلين على مقبرة السيد الخوئي(قدس سره)، كتبت أبيات شعرية رائعة للدكتور محمد حسين الصغير على الكاشي الكربلائي، أحاطت بلوحة المرقد أرخت لوفاة السيد الخوئي(قدس سره) وهي:

            ****

لما اصْطَفَينْا للهُدّى مَضْجَعاً

وأصْبَحَ الخوئي فيها دفين

            ****

ومِنْ عليّ قَدْ دنا موضعاً

وهكذا عاقبةُ المؤمنين

            ****

نُودي فاهتزَّ لها مَسمعاً

إنا فتحنا لك فتحاً مبين

            ****

وأنشد التاريخ لما دعا

أُزلفتِ الجنة للمتقين

            ****

 

وقد كتب على لوحة المرقد الاتي:

مرقد سيد الطائفة أستاذ الفقهاء والمجتهدين سماحة المغفور له الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي(قد) 1317هـ-1413هـ.

     وفوق هذه الواجهة توجد كتيبة أخرى من الكاشي الكربلائي مكتوب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم" يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" صدق الله العلي العظيم.  

     وقد بقي المسجد مغلقاً حتى بعد سقوط النظام، ولكن المرجعية الدينية المتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني(دام ظله الوارف) أمرت بإعادة افتتاحه بعد ترميمه وصيانته، فافتُتح لصلاة الجماعة في يوم الاثنين(1 جمادى أولى 1427هـ الموافق 29/5/2006م) وقد أمّ المصلين السيد حسن السيد رضي المرعشي (دام عزه) حيث أقيمت صلاتي المغرب والعشاء في هذا المسجد المبارك.

  

---------------------------------------------------------------------

[1] ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبه 103:1. 

[2] مساجد ومعالم، عبد المطلب الخرسان 27. 

[3]  راجع مساجد ومعالم، عبد المطلب الخرسان 28.

[4]  ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبه 103:1.

[5]  مساجد ومعالم، عبد المطلب الخرسان 30.