مسجد الرأس

     وهو مسجد واسع كثير الاسطوانات، بابه في الصحن الشريف في الإيوان الكبير تحت الساباط مقابل الرواق، من جهة الرأس الشريف، ويتصل بتكية البكتاشية، وهو مسجد قديم أيضاً، ويرجع تاريخ بنائه إلى عصر الايلخانيين، وقد جُدّد ورمم بناؤه عدّة مرات. منها سنة 1306 هـ من قبل نادر شاه. وسمي بمسجد الرأس؛ لأنّه إلى جانب رأس الإمام عليّ عليه السّلام. ولعله أكبر مسجد في المساجد الموجودة في السور الخارجي للصحن الشريف، وهو مستطيل الشكل يتوسطه صحن كبير متّسع وعلى جانبي الصحن من الجهتين الشمالية والجنوبية إيوانان، فيهما كثير من الأعمدة المقطوعة من حجر المرمر. وفي سنة 1368 هـ اقتُطع منه ما يقرب من خمسة أمتار، واُضيفت إلى الشارع العام.

في الجهة الغربية من الصحن الحيدري الشريف يقع مسجد الرأس، والمشهور أن تسميته بهذا الاسم بسبب كونه قد بُني إلى جانب رأس الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ويعود تاريخ بنائه إلى عهد الإيلخانيين كما يقول صاحب(الأماكن المقدسة في العالم)، وذكر الشيخ محمد حرز الدين أن (باني مسجد الرأس غازان بن هولاكو خان694-703هـ / 1295- 1304م)[1] أقام لبنائه سنة كاملة، ضارباً خيامه بين النجف ومسجد الحنانة في الثويّة، فيما نسبه البراقي إلى الشاه عباس الأول الصفوي[2].

إن المبنى الحالي للمسجد جدد عدة مرات، فقد جدد في عهد الشاه عباس الأول وجدد في عهد السلطان نادر شاه وهو التجديد الأخير، حيث بذلت رضية سلطان بيكم بنت الخاقان المبرور شاه حسين عشرين ألف نادري لعمارة مسجد الجامع الذي في جانب الرأس الشريف[3].

وقد رُمم الجامع في عهد السلطان عبد الحميد، وطُليت جدرانه الداخلية بالطلاءات، وصُنع له منبر من الرخام الأبيض الصقيل، وذلك في يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عام(1306هـ)، وكان هذا المسجد يختص في العهد العثماني بأهل السنة فكانوا يقيمون الجماعة فيه في الجمعة والعيدين فقط، وعندما انتهى الحكم العثماني بقي المسجد معطلاً مدة غير يسيرة، حتى فتح بابه وصلى فيه العلامة النائيني(قدس سره)، وقد سقطت بعض اسطواناته فيما بعد، فعزمت الحكومة على عمارته وإصلاح أساسه[4].

يوجد في المسجد صخرة قديمة هي محراب المسجد مكتوب عليها بحروف بارزة يقال أن لها شأناً في الطلسمات، ويُذكَر أنه تم توثيقها وتصويرها سنة(1937م) من قبل دائرة الآثار، ومرة أخرى في سنة(1965م).

ومحراب جامع الرأس من القاشان وله بريق معدني، وعليه زخارف نباتية وكتابات بارزة، ويتكون المحراب من ثلاث قطع، العُلوية تقع في أعلى المحراب على هيئة رأس مقبب مزخرفة بالزخرفة النباتية البارزة باللون الأزرق[5].

أما البلاطتين الأخريتين اللتين تمثلان قاعدة المحراب والجزء الأوسط منه، فقد بلغ طول الصخرة الوسطية(63) سم، أما التي تحتها فكانت(60) سم، فيما بلغ عرض كل منهما(46) سم، ويتدلى من العقد في وسط هاتين القطعتين شكل على هيئة مشكاة، وقد نقشت الكتابة بالحروف البارزة منها بالخط الكوفي، فيما طوقت المحراب آيات كريمة من سورة البقرة بخط الثلث وهي: [ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  * لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ ]، ثم أكملت الآية في وسط المحراب داخل ساحة العقد وهي: [ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ].

وقد أضيفت مساحة المسجد إلى منطقة التوسعة كرواق للحرم العَلَوي المطهر ضمن مشروع كبير سنأتي على ذكره بالتفصيل في موضوع(منطقة التوسعة)، حيث تصل مساحة المشروع إلى حوالي (1200)م2 ويتسع لحوالي 2000 مصلي، وقد تمت المباشرة بتنفيذ المشروع في(11 ربيع الأول عام 1426هـ الموافق 20/4/2005م)، والعمل مستمر حتى يومنا هذا، على انه سوف يتم الإشارة إلى كافة المقابر الموجودة في المنطقة على المرمر الذي سيغلف أرضية المنطقة، وإعادة المعالم التاريخية كلها والمحاريب التي كانت موجودة ضمن الرواق الجديد.

 

 

----------------------------------------------------------------

 [1]وهو من أعظم الحكام وله اهتمام واسع في شتى مجالات العلوم والفنون، وكان متميزاً في كثير من الحِرَف والمهارات اليدوية، وكان له إلمام باللغة العربية والفارسية والهندية والكشميرية ولغة التبت الصينية والفرنسية، وكانت أكبر نعمة حباها الله للإسلام في تلك الأيام هي إعلان غازان بن أرغون إسلامه هو وجمع غفير من أتباعه، وذلك بعد اعتلائه لسدّة العرش المغولي عام(694هـ)، وذلك بتحريض وترغيب من نائبه ووالي إقليم خراسان الأمير نوروز، وقد قام غازان بخدمات جليلة لدولة الإسلام وشيّد المنشآت العمرانية النافعة في جل ولايات الإمبراطورية المغولية، وكان معروفاً بحبه وعطفه الشديدين على آل علي(عليهم السلام). مجلة الأقلام السنة الرابعة (صفر 1388هـ - أيار 1968م) صفحة 125.

[2]ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبة 103:1.

[3]  مشهد الإمام علي، سعاد ماهر 153.

[4] ماضي النجف وحاضرها/ جعفر محبوبة 104:1.

[5]وتشبه هذه البلاطة إلى حد كبير المحراب القاشاني في إيوان مسجد قم، ويحتوي على كتابة من بينها اسم الصانع(علي بن محمد بن أبي طاهر) ومؤرخ في العاشر من شهر صفر سنة 663هـ (مشهد الإمام علي/ سعاد ماهر 135) وقد أشارت سعاد ماهر في دراستها إلى وجود هذا المحراب آنذاك في القسم الإسلامي بمتحف برلين،حيث يتشابه بالأشرطة الكتابية وبنفس الآيات القرآنية لمحراب جامع الرأس، وأيضاً يتدلى من عقد محراب قم مشكاة تشبه تلك الموجودة بمحراب النجف (مشهد الإمام علي 172)، كما أشارت إلى أن محراب مسجد الرأس قد يرجع إلى القرن السابع الهجري).