مسجد عمران بن شاهين

     وجدت عدة مبانٍ ضمن السور الطابوقي في الجهة الشمالية والشرقية والغربية للصحن الحيدري الشريف، منها ما وجد قبل بناء السور الحالي كمسجد عمران بن شاهين الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الهجري، ومنها ما أنشأ بعد بناء السور الحالي أي بعد القرن العاشر الهجري.

وقد أنشئت هذه المساجد لأداء صلاة الجماعة والدروس الدينية في الروضة المطهرة، ولفسح المجال أمام الزائرين للمرقد الطاهر للدعاء والطواف والزيارة، سنأتي على ذكرها تاريخياً وبالتفصيل وما جرى عليها من إصلاحات وترميمات وما آلت إليه في الوقت الحاضر.

        وان مسجد عمران بن شاهين يعد من أقدم مساجد النجف؛ لأنّه بُني في أواسط القرن الرابع على يد عمران بن شاهين[1]، الذي خرج على عضد الدولة فكانت الدائرة عليه، فنذر إن عفا عنه السلطان أن يبني رواقاً في النجف، فعفا عنه، فبنى رواقين: في الغريّ وكربلاء.

والرواق الذي في النجف يقع في الجهة الشمالية للحرم العلَويّ. وحيث أنّ الحرم العلويّ كان في الأصل عبارة عن الروضة المطهرة، وكان رواقه هو صحنه، وأمامه إيوانه الشرقي فقط، وكان رواق عمران يبعد عنه عدة خطوات.. فقد جاء الشاه عباس الأوّل فوسّع الصحن من جهة الشمال، وأدخل فيه قسماً من رواق عمران، ثمّ جاء الشاه صفي فاكتسح الدور في بقية الجهات، وأوجد الصحن الكبير والسور حوله وهو الموجود اليوم.

ثمّ هدمت الحكومة ثلثاً من رواق عمران سنة 1368هـ، فصار في الطريق المحيط بالحرم فبقي من رواق عمران القطعة المعروفة اليوم بين هذا الطريق وبين الصحن، وبابها في دهليز باب الصحن المعروف بباب الطوسي.

 

رواق أو مسجد عمران بن شاهين

    يقع رواق أو مسجد عمران في الجهة الشمالية من السور الخارجي للصحن الشريف، وإن الجزء المتبقي من الرواق الذي بناه بن شاهين هو ما يطلق عليه اليوم (مسجد عمران)، والذي أُنشأ في أواسط القرن الرابع الهجري، لذا يمكن اعتباره أقدم مساجد مدينة النجف الأشرف، ويمكننا أن نحدد فترة بناء الرواق فيما بين سنة تولي عضد الدولة الحكم في العراق عام (367هـ)، وبين وفاة عمران عام (369هـ).

ذكر الشيخ جعفر أن عمران بن شاهين في بدء أمره كان من أهل الجامدة (قرية من قرى واسط)، جنا جناية فهرب إلى البطيحة من سلطان الناحية فأقام بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك، ثم اضطر إلى معارضة من يسلك البطيحة متلصصاً، وعرف خبره جماعة من صيادي السمك فاجتمعوا إليه مع جماعة من المتلصصة، حتى حمي جانبه من السلطان فلما أشفق من أن يقصد، استأمن أبي القاسم البريدي فقلّده الجامدة بالحماية والأهوار التي في البطائح، فما زال يجمع الرجال إلى أن كثر أصحابه وقوى، فغلب على تلك النواحي وحارب سلطان عصره(عضد الدولة) مراراً وصارت مملكة من الممالك الشيعية، توفي فجأة سنة (369هـ) وجاء بعده ولده حسن بن عمران ثم أبو المعالي بن حسن[2].

 

من هو عمران بن شاهين؟

      لم يذكر المؤرخون نسباً لعمران بن شاهين، وقد ذكر أغلب المؤرخين وبضمنهم السيد عبد المطلب الموسوي الخرسان في كتابه مساجد ومعالم في الروضة الحيدرية المطهرة، أن هذا الرجل كان من أهل البطيحة، وأنه عصى على الدولة، وحاربها، وأنه كان يعتمد على صيد السمك والطيور المائية، واجتمع له أنصار من الصيادين وغيرهم.

 

رؤية عمران بن شاهين وبناء الرواق

      ويستمر السيد عبد المطلب بنقله عن السيد عبد الكريم بن طاووس في فرحة الغري عن ابن طحّال قيّم الروضة الحيدرية المطهرة ما نصه: (عمران بن شاهين من أمراء العراق عصى على عضد الدولة، فطلبه طلباً حثيثاً، فهرب منه إلى المشهد متخفياً، فرأى امير المؤمنين(عليه السلام) في منامه وهو يقول: إنّ في غد يأتي (فنّاخسرو) إلى ها هنا، فيخرجون من في هذا المقام، فتقف أنت ها هنا –وأشار إلى زاوية من القبة- فإنهم لا يرونك، فيدخل، ويزور ويصلي، ويبتهل بالدعاء والقسم بمحمد وآله أن يظفرك به، فأدن منه، وقل له: أيها الملك من هذا الذي ألححت بالقسم بمحمد وآله أن يظفرك الله به؟

-        فيقول: رجل شق عصاي، ونازعني في ملكي وسلطاني.

-        فقل له: ما لمن يظفرك به؟.

-   فيقول: إن حتم عليّ بالعفو عنه، عفوت عنه، فأعلمه بنفسك، فإنك تجد منه ما تريد، فكان كما قال له.

-        فقال له: أنا عمران بن شاهين.

-        قال: من أوقفك ها هنا؟.

-        قال: هذا مولانا قال في منامي: غداً يحضر (فنّاخسروا) إلى ها هنا، وأعاد عليه القول.

-        فقال له: بحقه قال لك: (فنّاخسروا)؟.

-        قلت: إي وحقه.

-   فقال عضد الدولة، ما عرف أحد أنّ اسمي (فنّاخسروا) إلاّ أمي والقابلة وأنا، ثم خلع عليه خلعة الوزارة، وطلع من بين يديه إلى الكوفة.

 

وكان عمران بن شاهين قد نذر عليه أنه متى عفا عنه عضد الدولة، أتى زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) حافياً حاسراً، فلما جن عليه الليل، خرج من الكوفة وحده.

فرأى جدي علي بن طحال مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو يقول: اقعد، إفتح لوليي عمران بن شاهين الباب، فقعد، وفتح الباب، وإذا بالشيخ قد أقبل، فلما وصل، قال: بسم الله مولانا.

-        فقال: ومن أنا؟

-        فقال: عمران بن شاهين.

-        قال: لست بعمران بن شاهين.

-        قال: بلى، أمير المؤمنين أتى في منامي، وقال لي: إفتح لوليي عمران بن شاهين.

-        قال له: بحقه هو قال لك؟.

-   قال: إي وحقه هو قال لي، فوقع على العتبة يقبلها، وأحاله على ضامن السمك بستين دينار، وكانت زوارقه تعمل في الماء في صيد السمك[3].

ويضيف السيد عبد المطلب الخرسان قائلاً: وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين: الغروي، والحائري على مشرفهما السلام.

هذا وقد اشار الشيخ جعفر[4] وكذلك سعاد ماهر عن تجارب الأمم لمسكويه[5]أن عمران بنى الرواق وفاءاً لنذر نذره إن عفا عنه السلطان.

النذر لبناء الرواق أم للزيارة[6]؟

      ويعقب السيد عبد المطلب الموسوي الخرسان على السبب الحقيقي وراء بناء الرواق وأن أصله هو ليس نذر لعمران بن شاهين فيقول: وما جاء في ماضي النجف وحاضرها، ونقله عنه آخرون مما يوحي أن بناء الرواق كان وفاءً لنذر نذره إن عفا عنه عضد الدولة لا دليل عليه. ورواية ابن طحال السابقة التي نقلتها عن فرحة الغري تنص على أنه نذر أن يزور المرقد الشريف حافياً حاسراً، وقد وفى بنذره.

 

رواق أم مسجد عمران بن شاهين؟

     ذكر السيد عبد المطلب الموسوي الخرسان في كتابه: ما يطلق عليه اليوم مسجد عمران هو الجزء المتبقي من الرواق الذي بناه عمران بن شاهين، وهو يقع شمال عمارة المسجد العلوي المقدس، وبابه في مدخل باب الشيخ الطوسي(قدس سره) على يمين الداخل منه إلى الصحن الشريف.

        وقد أشار الشيخ جعفر محبوبه في كتابه ماضي النجف وحاضرها إلى ذلك بقوله:

(كان رواق عمران هذا مفصولاً عن الرواق الموجود اليوم، ويبعد عنه خطوات قليلة، وعند مجيء الشاه عباس الأول إلى النجف، وعمارته الصحن الشريف والقبة المطهرة هدم قسماً منه، وأدخله إلى الصحن).

وبالإضافة إلى قدسية هذا المسجد –الذي يعتبر أقدم مسجد في النجف الاشرف- باعتباره مسجداً، ولأنه ضمن عمارة الروضة الحيدرية المقدسة، فهو يعتبر مكاناً تراثياً باعتبار قدم بنائه.

 

تاريخ بناء الرواق:

     لقد ذكر المؤرخون أن وفاة عمران بن شاهين كانت عام 369هـ، وأن عضد الدولة تولى الحكم في العراق عام 367هـ، فيكون بناء الرواق خلال هذه الفترة. أما التاريخ المكتوب على الصخرة المثبتة على باب المسجد فلا علاقة لها بتاريخ بناء المسجد، أو إجراء الترميمات والإصلاحات عليه، وهذا ما يذهب إليه السيد عبد المطلب الخرسان وقد ذكره في كتابه مساجد ومعالم.

 

الصخرة الموجودة على باب الرواق

    يقول السيد محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة: (توجد صخرة على باب رواق عمران بن شاهين عليها كتابة مؤرخة في شهر صفر سنة 776هـ، ويظهر أنها كانت على مقبرة، وأن هناك قبوراً ثلاثة: قبر الأمير نجيب الدين أحمد، وقبر محمود بن أحمد المهابادي، وقبر المرحومة سعيدة، وأن هذه الصخرة كانت موضوعة على بنية خاصة بهم، ثم دخلت تلك البنية في عمارة الصحن الشريف، فوضعت الصخرة هناك تذكاراً لهم).

 

عمارة رواق عمران بن شاهين

    لقد طرأت خلال القرون العديدة التي مرت على عمارة مسجد عمران بن شاهين اصلاحات متعددة. وقد ورد في كتاب ماضي النجف وحاضرها حول موضوع العمارة هذه ما نصه: (يبعد كل البعد أن تكون هذه العمارة والدلائل القرآنية هي من آثار عمران، بل نقطع بعدم بقاء عمارة عمران).

ويعقب السيد عبد المطلب الخرسان على هذه المسألة، بقوله: لا دليل على عدم بقاء عمارة رواق عمران، لعدم وجود ما يشير إلى هدم الرواق وإعادة بنائه، والدلائل القرآنية التي ذكرها ربما كانت من الإضافات التي حصلت من جراء الاصلاحات والترميمات، وقد اختفت اليوم، فلا يوجد لها أثر، وبقي هيكل البناء الذي يدل على قدم عمارته. وقد اُخذ جزء من رواق عمران في عام 1369هـ لتوسيع مدخل باب الشيخ الطوسي. وإن المساحة المتبقية من رواق عمران بن شاهين اتخذت مسجداً، وهي التي تعرف بمسجد عمران لحد الآن.

 

ابواب مسجد عمران

     لقد ذكر المؤرخون ان المسجد كان له بابان في السابق؛ الباب الأول هو الذي يقابل إيوان العلماء في الأيوان الكبير والذي أصبح حجرة من حجر الصحن الشريف وقد دفن فيها المرجع الديني السيد محمد كاظم اليزدي، وفصل بينها وبين المسجد بشباك. أما الباب الثاني فيقع في مدخل باب الشيخ الطوسي على يمين الداخل منها.

 

صلاة الجماعة في مسجد عمران

     لقد اشار عدد من المؤرخين والباحثين إلى ان المسجد كانت تقام فيه صلاة الجماعة،  ويشير السيد عبد المطلب الخرسان إلى ذلك بقوله: (لقد أدركنا المرجع الديني آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) يقيم الجماعة فيه لصلاة المغرب والعشاء في فصل الشتاء، ويدرّس فيه عندما يكون في مسجد الرأس تعمير). ولقد وجد في العمارة الأخيرة المقامة حالياً لجامع عمران بن شاهين، أن أحد الأعمدة فيه أشارة إلى الانحراف البسيط في اتجاه القبلة، الذي يشير إلى بناءه كجامع تقام فيه الصلاة.

 

وقع رواق عمران بن شاهين

    عن الموقع الأصلي لرواق عمران، تحدث الاستاذ مظفر محبوبة قائلا: لقد سمعت من احد مراجعنا العظام وبالتحديد من سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) وفي إحدى الزيارات التي تشرفنا بها في زيارته أن مدخل باب الشيخ الطوسي كان عبارة عن متر أو متر ونصف فقط، وهو ينقل ما شاهده في أحد الكتب القديمة أنه كان رواق بن شاهين ملاصق للحرم الشريف، والرواق الحالي الشمالي، والجزء الشمالي من الصحن الشريف هو جزء من رواق عمران بن شاهين ويبدو أنه رواق وليس جامع ويبدو أنه أطلق على جامع لاحقاً. وبلحاظ أن أحكام المسجدية والجامع يختلف عن أحكام الرواق.

 

المقابر والغرف الموجودة في جامع عمران

     لقد تم فتح الغرف العلوية المطلة على الصحن، وتقرر أن يصار إلى بقاءها على الصحن ببالكونتها وشرفتها المطلة على الصحن، وجدرانها المطلة على الجامع فإنها فتحت لتدخل ضمن فضاء الجامع. أما بالنسبة لمقبرة المرجع الكبير السيد كاظم اليزدي (قدس سره) والذي دفن فيها على ما يبدو في بداية القرن الماضي بعد أن تم استقطاع جزء من الجامع لهذه المقبرة، فقد تم الاتفاق على أن يتم الرجوع إلى التصميم السابق للجامع، وأن تزال هذه الجدران التي تم وضعها، مع مراعاة اظهار قبر هذا المرجع الكبير بقبر منفرد ومتميز من الجامع ضمن الأعمدة الطابوقية والتي عرضها حوالي متر ونصف، والدفن هو بالأساس ضمن العمود وملاصق له، لذلك سوف تبقى المقبرة كما هي بشباكها القديم، وكما اعتقد أن هذا الشباك مطلي بالكروم، فسوف يتم ارجاعه. والسيد كاظم اليزدي علم من أعلامنا ويجب المحافظة على مقبرته.

      أما في الجهة الثانية المقابلة لمقبرة السيد كاظم اليزدي (قدس سره)، فتوجد مقبرة السيد شرف الدين الموسوي (قدس سره)، وهو أيضاً من علمائنا البارزين، وقد بنيت أيضاً جدرانها في فترة لاحقة من بناء الجامع وبالنية أيضاً أن تفتح جدرانها التي على الجامع لكي تلحق به. وأما الغرف الخلفية فأحدهما ملاصقة لمكتبة الروضة الحيدرية، وقد تم فتحها مؤخراً، والتي من المؤمل ان تكون لاحقاً مصلى لرواد المكتبة، هذا مع وجود المكتبة بمكانها الحالي الآن، في المستقبل، وعلى ضوء ما سوف يؤول إليه المبنى الحالي لبناية المكتبة سيصار إلى تعديل الموقف وفق ذلك. أما الغرف التي تقع في الركن الشمالي الشرقي للجامع الحالي، فإنها مرتبطة مع مساحة كبيرة تسقّف مدخل باب الشيخ الطوسي ومرتبطة معها بمساحة، والصعود إليها يتم من خلال مدخل باب الشيخ الطوسي، حالياً هي مستغلة كورشة لصيانة ثريات الحرم، ولا نعرف كيف كانت تستغل سابقاً، وعلى ضوء الاستغلال اللاحق لهذه المسافة سوف يحدد الاستغلال اللاحق لهاتين الغرفتين العلويتين اللتين تقعان في الجهة الشرقية للجامع.

        وقد ناقش الشيخ جعفر ما قيل في (آثار الشيعة الإمامية) الجزء الثالث صفحة (128) من ان ما بناه عمران بن شاهين كان مسجداً فقال: (مسجد عمران لم يُعْلَم قبل أنه كان مسجداً، بل المشهور والمسطور أنه بنى رواقاً، فعلى هذا هو من جملة أروقة الحرم العَلَوي ولا ريب في جواز الدفن فيه، وغير بعيد أنه بعد انفصاله عن الحرم العَلَوي رتّبت عليه آثار المسجدية، والآثار الموجودة كما يزعم إنما حدثت وقت انفصاله)[7].

يقع بابه اليوم في مدخل باب الشيخ الطوسي(الذي توسّع وأخذ جزءاً من رواق عمران في عام (1369هـ))، وهناك صخرة قديمة(جئنا على ذكرها بالتفصيل في موضوع باب الشيخ الطوسي) نصبت فوق الباب تعود إلى عام (776هـ)، يبدو أنها لأحد المقابر في هذه المنطقة، ونصبت في موقعها الحالي بسبب توسيع ممر باب الطوسي، فقد جاء في أعيان الشيعة (توجد صخرة على باب رواق عمران بن شاهين عليها كتابة مؤرخة في شهر صفر سنة (776هـ)، ويظهر إنها كانت على مقبرة، وأن هناك قبوراً ثلاثة: قبر الأمير نجيب الدين أحمد، وقبر محمود بن أحمد المهابادي، وقبر المرحومة سعيدة، وأن هذه الصخرة كانت موضوعة على بُنْية خاصة بهم، ثم دخلت تلك البنية في عمارة الصحن الشريف، فوضعت الصخرة هناك تذكاراً لهم)[8]، وذكر الشيخ محمد حرز الدين في معارفه حينما تعرّض لترجمة السيد كاظم اليزدي (قدس سره)، ما معناه أن للمسجد باباً آخر في الصحن الشريف، اندثر بعد أن دُفن آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي(قدس سره)، أقول لاحظت أثرها وهي واضحة بالنسبة للداخل إلى المسجد.

وخلال عدة قرون سابقة(منذ القرن الرابع الهجري) طرأت عدة إصلاحات على رواق عمران، فقد هُدم جزء منه وأُدخل إلى الصحن الشريف عند مجيء الشاه عباس الأول للنجف، إذ كان مفصولاً بخطوات قليلة عن الرواق الموجود اليوم، ثم جاء الشاه صفي الصفوي فقام بهدم الدور المجاورة للحرم العَلَوي من الجهة الشرقية والجنوبية وضمها إلى الصحن الشريف، فكانت العمارة الموجودة اليوم التي توسعت من الجهات الثلاثة الشمالية والشرقية والجنوبية.

وفي هذا الجانب أشار الشيخ جعفر أنه (يبعد كل البعد أن تكون هذه العمارة والدلائل القرآنية هي من آثار عمران، بل نقطع بعدم بقاء عمارة عمران)[9]، بينما أشار السيد عبد المطلب الخرسان[10] (أن لا دليل على عدم بقاء عمارة رواق عمران، لعدم وجود ما يشير إلى هدم الرواق وإعادة بناءه، والدلائل القرآنية التي ذكرها(الشيخ جعفر) ربما كانت من الإضافات التي حصلت من جراء الإصلاحات والترميمات، وقد اختفت اليوم، فلا يوجد لها أثر، وبقي هيكل البناء الذي يدل على قدم عمارته(

ولكن سعاد ماهر في دراستها أشارت إلى أنه وبفحص عمارة المسجد ومبانيه، تبين لها أنه يرجع إلى نفس طراز الإيوانات والسور الخارجي، سواء من حيث مواد البناء كالأحجار وغيرها، أم من ناحية العقود والفتحات، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد (لحام) وصل مستحدث، مما يستدل منه أن مباني المسجد حدثت في نفس وقت بناء الإيوانات والجدران الجانبية، وعلى ذلك يمكن القول أن رواق عمران بن شاهين حُوّل إلى مسجد في القرن العاشر الهجري على أقل تقدير، أي في العصر الصفوي[11].

وهذا ما نؤكده، حيث إن عمران -حسبما ذكرت المصادر- بنى رواقاً، وقد دفن فيه بعض العلماء كما في أروقة الصحن الشريف، ثم حُوّل إلى مسجد حين اقتطعت منه أجزاء أضيفت إلى الصحن الشريف.

تبلغ مساحة المسجد اليوم حوالي( 215متر مربع)، ترتفع من أرضيته أربعة أقواس كبيرة متجاورة ومتقابلة، تحيط عند السقف بقبة صغيرة ذات نوافذ للتهوية والإضاءة عددها 12 نافذة، وهذه الاقواس تحصر من ارض المسجد ما يشبه الغرف الصغيرة وعددها اربعة، في احداها توجد مقبرة العلامة اليزدي(قد) وهي عند الجهة الجنوبية الغربية من المسجد.

وضمن مشاريع العتبة العَلَوية المقدسة مشروع إعادة تأهيله وترميمه، وقد تمت المباشرة في بداية شهر ذي القعدة 1428هـ - تشرين الثاني 2007م بالعمل على تدعيم أسس المسجد بصبات كونكريتية في محيط جدرانه، مضافا إلى تدعيم الجدران والسقوف بهياكل حديدية محكمة، ولا يزال العمل مستمرا ليصار إلى افتتاحه لزوار أمير المؤمنين(عليه السلام).

 

 

 -----------------------------------------------------------

[1] عمران بن شاهين: رأس الامارة الشاهينية بالبطحية، ومؤسسها أصله من الجامدة ـ من أعمال واسط (ينتسب إلى بني سليم، كان عليه دم وهرب إلى البطائح، فاحتمى بالآجام يتصيد السمك والطير. ورافقه الصيادون، والتف عليه اللصوص، ولم يتمكنوا منه، ثم كثر جمعه واستفحل أمره، فأنشأ معاقل وتمكن أمره وعجزت عنه حكومة واسط، واستولى على الجامدة، وامتد سلطانه في نواحي البطائح، فجهز له معز الدولة جيشاً من بغداد سنة 338 هـ، فهزمه عمران، ونشبت بينه وبين معز الدولة معارك انتهت بالصلح على أن تكون إمارة البطحية لعمران. وحاول معز الدولة وابنه بعده أن يخضعاه فضعفا، واستمر أميراً منبع الجانب، مدة أربعين سنة. من بدء خروجه، ومات على فراشه، عام 369 هـ وتوارث بنوه الامارة من بعده، ولم تطل مدتها قال السيد ابن طاووس: وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الغروي والحايري على مشرفيهما السلام له موقف مع عضد الدولة راجع قصته في (فرحة الغري: 126 ـ 128 وترجمته في الأعلام: 233 ـ 5).

[2]ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبه 100:1.

[3] فرحة الغري، ابن طاووس 169 ــ 170. 

[4]

[5]  مشهد الإمام علي، سعاد ماهر 150.

[6] المكان البطائح جنوب العراق، الزمان القرن الرابع الهجري، تربعت الأمارة الشاهينية على ضفاف مياه اهوار العراق، قرى جنوبية عرفت بسمرتها وفي احلامها وناسها، برز فيها اسم عمران بن شاهين الخفاجي، كرأس للبطيحة، متخذا من قصبها ومائها، موانعا طبيعية لصد ملاحقات السلطة الحاكمة.

امتدت أمارته من واسط وحتى البصرة بعد ان عارض معز الدولة البويهي وتمسك بطاعة أبى القاسم بن البريدي عامل البويهيين بالبصرة فقلده الاخير حماية الجامدة وحماية البطائح ونواحيها فعزّ جانبه وكثر جمعه وسلاحه واتخذ معاقل على التلال وغلب على تلك النواحي.

لم يكن عمران بن شاهين كغيره من الرجال فقد تميز بالحنكة والشجاعة والذكاء، وكان يمثل شخصية عربية عصامية تكاد تكون نسخة مكررة من ابو الصعاليك(عروة بن الورد) مع الفارق طبعا.

استوطن عمران الاهوار، يقتات على ما يصيده من سمك الماء وطيره ويجمع حوله الصيادين والملاحقين من قبل السلطة، يتحدث عنه حرز الدين في(معارف الرجال) فيقول: كان داره مأمنا وملاذا لكل خائف وطريد من السلطة الحاكمة في بغداد حتى ذاع صيته واتسعت أمارته وقويت شوكته.

والمتأمل لعبارة الزركلي وهو يصف أحد أصحاب عمران بن شاهين ووزرائه، وهو المظفر بن علي بأنه: (أمير عصامي، عاقل، فطن)، يجد خلاف ما اشيع عن عمران بن شاهين في(الكامل) وتابعه على نفس المنوال صاحب(البداية والنهاية) بأنه: لص هارب جمع حوله اللصوص وقطاع الطرق.

وياخذنا كذلك الى الحيرة في سبب تجاهل المؤرخين لتفاصيل حياة هذا الرجل بل وسوء الظن بما نقل من النزر اليسر عنه، منها الرواية التي ينقلها ابن طحال والتي تتحدث عن لقاء عمران بعضد الدولة في المشهد العلوي بعد ان قدم متخفيا للزيارة وطلبه من الله ان يعفو عنه عضد الدولة، ونذره ببناء رواق في مرقد امير المؤمنين عليه السلام ان تحقق له ذلك..!

مع العلم ان ابن شاهين توفى سنة 369هـ ودفن في دار له بالنجف الاشرف شمال الصحن العلوي الشريف قرب الباب المعروفة اليوم بباب الطوسي، اي قبل قدوم عضد الدولة للعراق بسنتين كما هو ثابت باغلب كتب التاريخ.

الا ان عمران بن شاهين ظل حاضرا بقوة، واراد ان يكون على موعد مع الزمن، ويلامس بيديه التي عرفت عذوبة الفرات، ولون الدهلة، وقساوة البردي، وعشق طيور الخضيري والدراج للحرية، اراد ان تغمره رحمة الله، ونور رسوله، وعطر وليه، على الرغم من كل المحاولات لتشويه سيرته، وطمس اخباره، فشيد صرحا ما زال يحمل اسمه في داخل العتبة العلوية المقدسة، ويتردد صداه بين جدرانها.

الا ان ذات الغموض والتساؤل الذي رافق اسم عمران بن شاهين رافق هذا المعلم التاريخي على مدى تاريخه، منذ لحظة بنائه قبل اكثر من الف عام وحتى هذه اللحظة، فلم يعهد معلم من معالم العتبة العلوية المقدسة اختلافا بين المؤرخين بمثل ما اختلف حول مسجد عمران بن شاهين، من هو مؤسسه، وهل هو مسجد ام رواق، وهل بني على اساس نذر ام وفاء وعرفانا من قبل موال من الموالين..

وفي هذا الامر يقول الفرطوسي: (ويغلب على ظني ان المسجد او المسجد والرواق، او الرواق الذي لا أثر له في الوقت الحاضر شيدا بعد موته ونسبا اليه لشهرته).

معللا ذلك بعدم ضرورة كون كل بناء يحمل اسماً يعني ان الذي بناه وقام بإعماره هو المنسوب اليه، فما يطلق عليه اليوم اسم"مسجد عمران" هو الجزء المتبقي من الرواق الذي بني في القرن الرابع الهجري، والذي شمله وعلى مدى سنوات طويلة ومراحل مختلفة من التاريخ أصلاحات واسعة كان من بينها أعادة بنائه من قبل المغول أثناء احتلالهم العراق عام 656هـ، بالاضافة للاصلاحات التي ادخلها عليه الشاه عباس الصفوي الاول اثناء عمارته للصحن الشريف والروضة المطهرة وهدمه قسما كبيرا منه وادخاله في الصحن الشريف وتوسيعه من الجهة الشمالية، فضلا عن تغيير آخر في مساحته وشكله يوم أخذ منه جزء آخر في عام 1369هـ لتوسيع مدخل باب الشيخ الطوسي.

يقول مؤرخ النجف الاشرف الشيخ جعفر محبوبة في (ماضي النجف وحاضرها): (يبعد كل البعد أن تكون هذه العمارة والدلائل القرآنية هي من آثار عمران, بل نقطع بعدم بقاء عمارة عمران)، والى نفس الرأي ذهبت سعاد ماهر بعد فحصها عمارة الرواق ومبانيه بأشارتها بالقول: (ان الرواق اعيد بنائه مع  تشييد الايوانات والجدران الجانبية من خلال تبيان ان البناء هو من نفس طراز الايوانات والسور الخارجي سواء اكان من حيث مواد البناء من أحجار وغيرها، ام من ناحية العقود والفتحات، هذا بالاضافة الى انه لايوجد"لحام"وصل مستحدث).

وعلى الرغم من كل تلك التجاذبات التي ترد هنا وهناك، وتتقاذف اسم عمران بن شاهين، أوغل الدكتور صلاح الفرطوسي في حيرة الباحثين، وطار بعيدا في سماء البطائح، يحمل طيبة الجنوب، وكرم المضايف، وشهامة الرجال الاشداء، وتسامح مع التاريخ واعلن: ان المسجد او الرواق هو من عمارة الحسن نجل عمران بن شاهين، بعد الصلح الذي وقع بينه وبين عضد الدولة، وسماه باسم ابيه، أو ان اسم ابيه غلب عليه لشهرته.

كما احتمل صحة جانب رواية ابن الطحال ليكون الحسن بن عمران بن شاهين هو الذي نذر وبنى، وليس ابوه، ولكن بسبب شهرة الأب نسبت العمارة إليه، أما غير هذا مما روي فيبدو بعيدا عن الصواب.

ولا يمنع هنا ايضا ان يكون  الصلح بين عضد الدولة والحسن بن عمران قد تم في ضريح امير المؤمنين (عليه السلام) لتوثيقه، ولا يمنع ايضا ان يقدم الحسن بن عمران فروض الطاعة والولاء لعضد الدولة امام حشد من المرافقين، ولا يمنع ان تكون هذه المناسبة قد رفعت عن كاهل الطرفين كثيراً من العبء، وأشاعت الأمن والطمأنينة في المنطقة، ولا يمنع ان يكون الحسن بن عمران قد نذر للإمام (عليه السلام) نذرا بإقامة ما أقيم من عمارة، وبالمشي حافيا حاسرا من الكوفة الى النجف، وليس بغريب ان ينسب كل هذا لأبيه بسبب شهرته او ان الحسن سمى عمارته باسم ابيه تخليدا لذكراه.

ورغم كل الذي سبق، وتيقن البعض مما يورده، هنا وهناك، تبقى الحيرة تلف هذا المكان، وتنشد الحقيقة، الا ان المتيقن بالأمر، ان هذا المكان هو صدقة جارية اريد لها ان تنموا وتدوم، دون الحاجة لذكر اسم او تحديد هوية، مادام العمل لله، وما كان لله ينموا، لان الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الارض.

 

 

[7] ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبه 102:1.

[8] أعيان الشيعة، محسن الأمين 175:3.

[9] ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبه 103:1.

[10] مساجد ومعالم، عبد المطلب الخرسان 19 ــ 20.

[11] مشهد الإمام علي، سعاد ماهر 151.