عدل الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

        لقد كان منهج الامام علي(عليه السلام) فى العدل كمنهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لم نقل إنه عينه لقوله (صلى الله عليه وآله):" كفي وكف علي في العدل سواء"[1] و"يدي و يد علي بن أبي طالب في العدل سواء"[2], و"إنه أوفاكم بعهد الله تعالى، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم فى الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية"[3].

ولقوله (عليه السلام):"والله،لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو اجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشي‏ء من الحطام ...و الله، لواعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته"[4].

     وقوله (عليه السلام):"من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه و مؤدبها أحق بالإجلال من‏معلم الناس ومؤدبهم"[5].

     وقوله (عليه السلام):"إني والله،ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها،ولا أنهاكم عن معصية،إلا وأتناهى قبلكم عنها"[6].

وقوله (عليه السلام)في صفة خصومه:" وقد أرعدوا وأبرقوا، ومع هذين الأمرين الفشل، ولسنا نرعد حتى نوقع،ولا نسيل حتى نمطر"[7].

فهلم معي حتى ننظر إلى نماذج من عدله (عليه السلام) ليطابق القول الفعل، والدعوى العمل كما يقولون:

1-  قال ابن أبي الحديد:"عن ابن عباس أن عليا (عليه السلام) خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال:" ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شي‏ء،ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان لرددته إلى حاله، فأن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق".

     قال الكلبي: ثم أمر (عليه السلام) بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به على المسلمين فقبض...،وأمر بقبض سيفه ودرعه، وأمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و غير داره،وأمر أن ترجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيب أو أصيب أصحابها، فبلغ ذلك عمرو بن العاص  وكان بأيلة من أرض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ـ فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك‏ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها"[8].

2- قال أبو جعفر ـ المعروف بالإسكافي ـ(المتوفى سنة 240):لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان، ورفاعة بن رافع،و مالك بن العجلان،وأبو أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر بعلي (عليه السلام)،وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته،فأجابهم الناس إليه، فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي (عليه السلام)، فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة،ومنهم من فضله على المسلمين كلهم كافة.

     ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة ـ وهو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة ـ،فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر محمدا فصلى عليه،ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام  إلى أن قال (عليه السلام):"وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم،ولا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر،وإني حاملكم على منهج نبيكم (صلى الله عليه وآله)، ومنفذ فيكم ما امرت به إن استقمتم لي وبالله،المستعان،ألا إن موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته...

     ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا و أيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فإن الفضل النير غدا عند الله،وثوابه وأجره على الله.

     وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية،لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب،لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا ولا ثوابا،وما عند الله خير للأبرار،وإذا كان غدا ـ إن شاء الله ـ فاغدوا علينا،فإن عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي،كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا يكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا،أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم،ثم نزل.

     قال شيخنا أبو جعفر:"و كان هذا أول ما أنكروه من كلامه (عليه السلام)، وأورثهم الضغن عليه،وكرهوا إعطاءه وقسمه بالسوية، فلما كان من الغد غدا، وغدا الناس لقبض المال،فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير، ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن يحضر من الناس كلهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك".

فقال سهل بن حنيف:"يا أمير المؤمنين! هذا غلامي بالأمس، وقد أعتقته اليوم، فقال:نعطيه كما نعطيك، فأعطى كل واحد منهما ثلاث دنانير،ولم يفضل أحدا على أحد"[9].

3- قال العلامة الفيض الكاشاني:"خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:أيها الناس! إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله تعالى، ألا وقد حضر شي‏ء ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير،وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير،وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير،فقال الأنصاري:يا أمير المؤمنين!هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلنى وإياه سواء؟فقال:إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً "[10].

4-  قال العلامة المجلسي:" جاء عن محمد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه ذكر عن آبائه (عليهم السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب إلى عماله:أدقوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عني فضولكم، واقتصدوا قصد المعاني، وإياكم والإكثار،فإن أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار"[11].

5- وورد عن الامام علي بن ابي طالب "عليه السلام":" احاج الناس يوم القيامة بسبع: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، وإقام الحدود"[12].

6- وجاء عن هلال بن مسلم الجحدري؟ قال:سمعت جدي حرة[أو حوة] قال:شهدت على بن أبي طالب (عليه السلام) اتي بمال عند المساء،فقال:اقسموا هذا المال،فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين،فأخره إلى غد،فقال لهم:تقبلون أن أعيش إلى غد؟ فقالوا: ماذا بأيدينا؟ قال: فلا تؤخروه حتى تقسموه، فأتي بشمع فقسموا ذلك المال من تحت ليلتهم"[13].

7- وروي ان دخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال، فطفى‏ء السراج وجلس في ضوء القمر، ولم يستحل أن يجلس في الضوء بغير استحقاق"[14].

8- وروي عن أبي مخنف الأزدي قال: أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) رهط من الشيعة،فقالوا : يا أمير المؤمنين! لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف، وفضلتهم علينا حتى إذا استوسقت الأمور عدت إلى أفضل ما عودك‏ الله من القسم بالسوية والعدل في الرعية، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):ويحكم! أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام؟ لاوالله،لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجما،والله، لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم..."[15].

9- وجاء ان اتي علي بمال من اصفهان،وكان أهل الكوفة أسباعا، فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفا فكسره بسبعة كسر، ثم جعل على كل جزء كسرة، ثم دعا امراء الأسباع فأقرع بينهم"[16].

أقول: قال الحافظ ابن عبد البر في"الإستيعاب بعد ذكره قصة الرغيف وكسره:"وأخباره في مثل هذا من سيرته لا يحيط بها كتاب"[17].

10-  وجاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما ولي علي (عليه السلام) صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني والله،لا أرزؤكم من فيئكم درهما ما قام لي عذق بيثرب، فلتصدقكم أنفسكم أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم؟ قال: فقام إليه عقيل فقال له: الله لتجعلني وأسود بالمدينة سواء؟ فقال: اجلس،أما كان ههنا أحد يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليه إلا بسابقة أو بتقوى"[18].

11-  وروى أبو إسحاق الهمداني:ان امرأتين أتتا عليا (عليه السلام)، إحداهما من العرب والاخرى من الموالي،فسألتاه،فدفع إليهما دراهم و طعاما بالسواء، فقالت إحداهما: إني امرأة من العرب وهذه من العجم؟ فقال: إني والله، لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفي‏ء فضلا على بني إسحاق[19].

12-  وقال المولى صالح الكشفي الحنفي:" كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ (عليه السلام) السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك فقال (عليه السلام): كان زيته من بيت المال لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه"[20].

13- قال أمير المؤمنين (عليه السلام):"والله،لقد رأيت عقيلا،وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا،وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني،وأتبع قياده مفارقا طريقتي فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها،فضج ضجيج ذي دنف من ألمها،وكاد أن يحترق من ميسمها،فقلت له:ثكلتك الثواكل،يا عقيل! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه،وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه،أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟[21].

     قال عبده في شرحه:"عقيل:أخوه،وأملق:افتقر أشد الفقر،واستماحني:استعطاني،والبر:القمح،و شعث:جمع أشعث وهو من الشعر المتلبد بالوسخ،و الغبر ـ بضم الغين ـ  جمع أغبر:متغير اللون،و العظلم ـ كزبرج ـ:سواد يصبغ به،قيل:هو النيلج،أي النيلة،القياد:ما يقادبه كالزمام،الدنف ـ بالتحريك ـ :المرض،والميسم بكسر الميم وفتح السينـ:المكواة،وثكل،كفرح:أصاب ثكلا ـ بالضم ـ وهو فقدان الحبيب أو خاص بالولد،والثواكل :النساء،دعاء عليه بالموت لتألمه من نار ضعيفة الحرارة،وطلبه عملا و هو تناول شي‏ء من بيت المال زيادة عن المفروض له يوجب الوقوع في نار سجرها ـ اي أضرمها ـ الجبار،وهو الله،للانتقام ممن أعطاه،و لظى اسم جهنم.

     أقول:هكذا كان تصلبه (عليه السلام) في الله تعالى،وأداؤه الأمانة التي استأمن الله الولاة عليها.نعم،إن هذا العمل لثقيل على كل إنسان لا مسحة له بالعدل فإنه أوسع الأشياء في التناصف،إنه عليه السلام عمل هذه الوتيرة ليحمل الناس،لا سيما الولاة و القضاة على أن يتخذوا طريقه،و يحذوا حذوه في تحقيق العدل و التسوية بين الناس،حتى لا يهملوا قريبا أو بعيدا،صغيرا أو كبيرا.

        ****

      صلى الإله على جسم تضمنه قبر

         فأصبح فيه العدل مدفونا

                   ****

        وهذه السيرة المرضية قد اتخذها من نبيه واسوته (صلى الله عليه و آله) فقد ورد في الخبر  كما في من لا يحضره الفقيه وصحيح البخاري,ومسلم وسنن أبي داود،واللفظ له :"عن أمير المؤمنين (عليه السلام)،أنه قال لابن أعبد:ألا احدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانت من أحب أهله إليه وكانت عندي؟ قال: بلى، قال: إنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأتى النبي خدم ـ يعني سبي ـ،فقلت:لو أتيت أباك فسألته خادما، فأتته فوجدت عنده حداثا فرجعت،فأتاها من الغد فقال:ما كان حاجتك؟فسكتت،فقلت:أنا احدثك يا رسول الله،جرت بالرحى حتى أثرت في يدها،وحملت القربة حتى أثرت في نحرها،فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما يقيها حر ما هي فيه. قال (صلى الله عليه و آله):اتقى الله،يا فاطمة!وأدى فريضة ربك،اعملي عمل أهلك،وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين،واحمدي ثلاثا وثلاثين،وكبري أربعا وثلاثين،فتلك مائة،فهو خير لك من خادم،قالت:رضيت عن الله وعن رسوله". وزاد في رواية:"ولم يخدمها".

        أقول:وقد أفاد الفاضل المحقق،صاحب من لا يحضره الفقيه ما يعجبني ذكره‏ وإيراده هنا، وإليك نصه:"فقف،أيها القارى‏ء الكريم!وتأمل جيدا في هذا الخبر الشريف المجمع عليه،فإن بضعة المصطفى (صلى الله عليه و آله) وقرة عينه الوحيدة تطلب منه من السبي والغنائم خادما ليعينها في مهام منزلها،ويزيل عنها شيئا من تعبها،و هو سلطان نافذ الكلمة،وراع مسيطر في وقته،بيده الأموال بل النفوس،وله القدرة بأعظم مظاهرها بحيث يقول ناعته:لم أر قبله ولا بعده مثله،مع ذلك كله يأمر ابنته الوحيدة،وفلذة كبده الفريدة بالتقوى،و القيام بواجب بيتها،و الاكثار من ذكر ربها،و لم يرض أن يعطيها من بيت مال المسلمين خادما،وقال:(صلى الله عليه وعليهما):ألا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟(كما في الخبر الوارد في متن الفقيه)،فتجيب المعصومة (عليها السلام) طائعة مشعوفة مختارة:"رضيت عن الله و رضيت عن رسوله،فخذها مثالا يلمسك الحقيقة جدا في معرفة من حذا حذو الرسول (صلى الله عليه و آله) ومن مال عن طريقته ونأى بجانبه وحاد عن سنته ممن يدعي الخلافة بعده، فرسول الله (صلى الله عليه و آله) هو الإمام المتبع فعله، والرئيس المقتفى أثره.

     هذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الإسلام،دخلت عليه اخته أم هاني بنت أبي طالب فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هاني مولاتها العجمية، فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين؟ فقالت عشرين درهما،فانصرفت مسخطة، فقال لها:انصرفِ يـرحمك الله ما وجدنا في كتاب الله فضلا لإسماعيل على إسحاق.

     وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها،فقالت ابنته ام كلثوم:أتجمل به ويكون في عنقي؟فقال:يا أبا رافع!أدخله إلى بيت المال،ليس إلى ذلك سبيل حتى لا يبقى امرأة من المسلمين إلا و لها مثل ذلك.

     ثم ذكر خطبته على المهاجرين و الأنصار،و كلامه مع عقيل، ثم قال: وهذا ابن عفان أعطى سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب،و هي طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من‏المسلمين،وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف،و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني امية ذلك كله في شرح ابن أبي الحديد[22] وسعد بن أبي سرح هذا هو الذي أباح رسول الله (صلى الله عليه و آله) دمه يوم الفتح كما في"سنن أبي داود و"أنساب الأشراف للبلاذري"، وفي بعض المصادر عبد الله بن أبي سرح، وبالجملة هاتان السيرتان مقياسان لمن يروم معرفة المحق والمبطل ممن كان بيده بيت المال"[23].

     أقول: وإذا بلغ الكلام إلى المقايسة وإن كان قياسا بغير قياس فلا بأس بنقل بعض مظالم الخلفاء وتعديهم في بيت مال المسلمين مما نقله رواتهم ومحدثوهم، قال ابن أبي الحديد :"عثمان بن عفان بن أبي العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف، كنيته أبو عمرو، وامه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حنين بن عبد شمس، بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه فراسة عمر فإنه أوطأ لبني امية رقاب الناس، وولاهم الولايات، وأقطعهم القطائع، وافتتحت إفريقية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الحملى:

        ****

أحلف بالله رب الأنام

ما ترك الله شيئا سدى

        ****

و لكن خلقت لنا فتنة

لكي نبتلى بك أو تبتلى

        ****

و أعطيت مروان خمس البلاد

فهيهات سعيك ممن سعى

        ****

 
     طلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعة آلاف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سيره ثم لم يرده أبو بكر و لا عمر،و أعطاه مائة ألف درهم،و تصدق رسول الله (صلى الله عليه و آله) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور[24] على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم،وأقطع مروان فدك و قد كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها (صلوات الله عليهما) تارة بالميراث، وتارة بالنحلة فدفعت عنها، وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني امية، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من المسلمين،وأعطى أبا سفيان بن الحرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته ام أبان وجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى،فقال عثمان :أتبكي أن وصلت رحمي؟ قال:لا، ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، والله، لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا! فقال: ألق المفاتيح يا ابن أرقم! فإنا سنجد غيرك. وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني امية، وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال...[25].

 

صحيفة من نماذج الفوضى في مال الله اثناء حكومات الخلفاء

صورة متخذة من أعطيات الخليفة والكنوز العامرة ببركته

الدينار/الاشخاص

500000/مروان

100000/ابن ابى سرح

200000/طلحة

2560000/عبد الرحمن

500000/يعلى بن امية

100000/زيد بن ثابت

150000/اختص به نفسه

200000/اختص به نفسه

4310000/الجمع

 

    أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرة آلاف دينار اقرأ ولا تنس قول مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) فيه: قام نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه،وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع.

وقوله الآتي بعيد هذا[26]: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال[27].

 

 

الدرهم/الاشخاص

300000/الحكم

2020000/آل الحكم

300000/الحارث

100000/سعيد

100000/الوليد

300000/عبد الله

600000/عبد الله

200000/ابو سفيان

100000/مروان

2200000/طلحة

30000000/طلحة

59800000/الزبير

250000/سعد بن ابى وقاص

30500000/اختص به نفسه

126770000/المجموع

 

مائة وستة و عشرون ميليونا وسبعمائة وسبعون ألف درهم.

 

14-  قال الشيخ المفيد رحمه الله:"قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من البصرة إلى الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب فأقبل حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،ثم قال:أما بعد،فالحمد لله الذي نصر وليه،وخذل عدوه،وأعز الصادق المحق،وأذل الكاذب المبطل،عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله،وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم‏(صلى الله عليه وآله)،الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا،يتفضلون بفضلنا ويجاحدونا،وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه،وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا،إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زار[28]،فاهجروهم،أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى.

     فقام إليه مالك بن حبيب التميمي اليربوعي وكان صاحب شرطته فقال: والله،إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا، والله،لئن أمرتنا لنقتلنهم. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا مالك! جزت المدى، وعدوت الحد،وأغرق في النزع[29]. فقال:يا أمير المؤمنين: لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك[30] من مهادنة الأعادي.

     فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):ليس هكذا قضى الله يا مال[31]، قال الله تعالى:[النفس بالنفس][32] فما بال بعض الغشم؟وقال الله سبحانه: [ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا][33] .فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزديـ وكان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل وحضر معه صفين على ضعف نية في نصرته  فقال:يا أمير المؤمنين!أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة و الزبير بم قتلوا؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):بما قتلوا شيعتي وعمالي،وبقتلهم أخا ربيعة العبدي رحمه الله في عصابة من المسلمين،قالوا:لا ننكث البيعة(كما نكثتم)،ولا نغدر كما غدرتم،فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما و عدوانا،فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم أقتلهم بهم،ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم،فأبوا علي وقاتلوني و في أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك،أفي شك أنت من ذلك؟ فقال:قد كنت في شك،فأما الآن فقد عرفت،واستبان لي خطأ القوم،فإنك أنت المهتدي المصيب.

ثم إن عليا (عليه السلام) تهيأ لينزل، فقام رجال ليتكلموا،فلما رأوه قد نزل جلسوا و لم يتكلموا. قال أبو الكنود: وكان أبو بردة مع حضوره صفين ينافق أمير المؤمنين (عليه السلام) ويكاتب معاوية سرا،فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة[34]،وكان عليه كريما.

--------------------------------------------------------------

[1] ابن المغازلى:مناقب علي بن ابى طالب،ص 129 – 130.

[2] ابن المغازلى:مناقب علي بن ابى طالب،ص 129 -130.

[3] الحمويني:فرائد السمطين،1/176. 

[4] نهج البلاغة،خ: 224, والسعدان: نبت له شوك. ومسهدا:ساهرا أرقا. ومصفدا: مقيدا.

[5] نهج البلاغة،خ :73.

[6]المصدر،خ :175.

[7] المصدر،خ: 9.قال عبده:واذا أمطرنا أسلنا،أما اولئك الذين يقولون:نفعل ونفعل،وما هم بفاعلين،فهم بمنزلة من يسيل قبل المطر،وهو محال غير موجود،فهم كالاعدام فيما به يوعدون.  

[8] ابن ابى الحديد:شرح نهج البلاغة، 1/269 .

[9] ابن أبي الحديد:شرح نهج البلاغة، 7/36.

[10] القاساني:الوافى, 3/14, 20 الى 38 .

[11]المجلسى: بحار الأنوار،105 / 41.

[12] المجلسي: بحار الأنوار،107 / 41

[13] المجلسي: بحار الأنوار، 116 /41 .  

[14] المجلسي: بحار الأنوار،122  / 41 . 

[15] المجلسي:بحار الأنوار،118 / 41.  

[16] المجلسي:بحار الأنوار، 41/ 116،122 و 118.

[17] المجلسي:بحار الأنوار، 41/ 116،122 و 118.

[18] هاشمي, الإصابة،493،ط مصر.

[19] المجلسي: بحار الأنوار، 137 /41 .  

[20] المناقب المرتضوية،ص 365.

[21] نهج البلاغة،خ :222.

[22] ابن ابى الحديد:شرح النهج،1/67. من طبعه الذي كمل في أربعة مجلد.

[23] هامش من لا يحضره الفقيه, 1/ 324ـ322،طبع مكتبة الصدوق.

[24] كذا في"شرح النهج"،وفي"معجم الادباء" للحموي:"وادى مهزور" وقال:بفتح أوله و سكون ثانيه ثم زاء وواو ساكنة وراء. ومهزور ومذينب واديان يسيلان بماء المطر خاصة، وقال: قال أبو عبيد: مهزور وادي قريظة.  

[25] ابن ابى الحديد:شرح نهج البلاغة,198 /1.

[26] قد تقدم آنفا من كتابنا هذا.

[27] الاميني:الغدير، 8/286. 

[28] عتب عليه:وجد عليه موجدة و أنكر منه شيئا من فعله،وزرى عمله عليه:عابه عليه و عاتبه .

[29] المدى:الغاية،و في بعض النسخ:"وعدوت الحق". وأغرق النازع في القوس:استوفى مدها، والنزع:الرمى، والكلام يقال لمن بالغ فى الشيء.

[30] من ناية الامر أى أصابه.و المراد أن اعمال بعض الظلم على الاعداء و المخالفين في امور تصيبك و تزلزل اركان حكومتك ويصدك عن النيل بالمقصود الحق أبلغ الى المراد من المهادنة والرفق وكف التضييق عليهم.

[31]  ويعني: ( يامالك) وهو اسلوب بلاغي وهو الاختصار في الكلمات , كقولك: ياحار, ويقصد به: ياحارث, وكذلك قولك: ياصاح, أي : ياصاحبي. وهكذا

[32] وفي بعض نسخ الحديث:"فما بال ذكر الغشم أجاب (عليه السلام) بأن المقصود مهما عظم و تقدس لا يسوغ الظلم والتعدى فى سبيل نيله و لا يوجهه مهما قل و صغر، بل يكون خلاف المقصود وانما لنا المشي على مهيع الحق فان نلنا فهو،و إلا لم يكن بنا بأس و ما على الرسول إلا البلاغ المبين والآية في المائدة،5: 45.

[33] الاسراء،17:33.زاد في"شرح النهج"الحديدي هنا نقلا عن نصر بن مزاحم:"والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه،وذلك هو الغشم".

[34] أقطع الأمير فلانا قطيعة:جعل له غلة أرض رزقا له. والفلوجة كما في" المراصد الأطلاع " بالفتح ثم التشديد وواواً ساكنة وجيم قال الليث:فلا ليج السواد:قراها. والفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى:قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر.قلت:و المشهور هي هذه التي على شاطى‏ء الفرات،عندها فم نهر الملك من الجانب الشرقي. (ذكرها الشيخ المفيد في أماليه و نقلنا منه).  ينظر: أحمد الرحماني الهمداني, الإمام على بن أبى طالب (عليه السلام) من حبه عنوان الصحيفة.