شجاعة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

     أما عن شجاعة الامام علي بن ابي طالب(عليه السلام) فالحديث عنها يطول فقد كان أشجع الناس بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) كان كالليث الصهور في ساحات القتال التي يقدم إليها مهرولاً لا يلوي على شيء وقد حباه الباري تعالى بقوة جسدية لا تضاهيها قوة حتى إنه إذا أمسك بذراع الرجل فكأنه أمسك بنفسه فلا يستطيع التنفس واشتهر عنه انه لم يصارع أحداً إلا صرعه[1] ويكفينا من شدة بأسه وصموده واندفاعه في مواجهة المشركين ما قام به في معركة بدر الكبرى التي ضرب فيه المثل إذ كان عدد قتلاهم فيها سبعين قتل علي وحده نصفهم[2] والمروي عنه انه ضرب بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أول مواجهة لقوى العدوان وهو ابن ستة عشر سنه وقتل الأبطال وهو ابن تسعة عشر سنة وقلع باب خيبر وله من العمر اثنان وعشرون سنة فقط[3].

     وقد اعتقد العقاد ـ بحق أن (آداب الفروسية)[4] هي مفتاح هذه الشخصية الفذة وإذ قد بلغت نخوة الفروسية عنده غايتها فقد كانت مشوبة بالمثل الإنسانية فلقد كان يرفع السيف لمن رفعه أمامه لقتال إلا أنه لم ينس المثل ولم يسمح بالغدر ومسألة حثه على  عدم الإجهاز على جريح أو امرأة أو طفل أو هارب من الشهرة ما لا تحتاج إلى كلام.

     وكان إلى جانب بطولاته في ساحات الوغى فهو بطل متفرد في كل الميادين إذ كان يتمتع برأي ثاقب وصفاء بصره وحلم نادر لدرجة حدت بالإمام الشافعي أن يصفه قائلاً: "ما أقول في رجل ما اجتمعت فيه ثلاثة مع ثلاثة لا يجتمعن قط في البشر: الجود مع الفقر والشجاعة مع الرأي والعلم مع العمل" [5].

ونختم هذه الفقرة بما جاء بكتاب (مفكرو الإسلام) للبارون كارا ديفو[6]:

وحارب عليٌّ بطلاً مغواراً إلى جانب النبي وقام بمآثر معجزات ففي موقعة بدر كان علي وهو في العشرين من عمره يشطر الفارس القرشي شطرين اثنين بضربة واحدة من سيفه وفي أحد تسلح بسيف النبي ذي الفقار فكان يشق المغافر بضربات سيفه ويخرق الدروع وفي الهجوم على صحون اليهود في خيبر قلقل عليّ بابا ضخماً من حديد ثم رقعه فوق رأسه متخذاً منه ترساً مجناً.

أما النبي فكان يحبه ويثق به عظيمة وقد قال ذات يوم وهو يشير إلى علي: من كنت مولاه فعلي مولاه"[7].

 

واليك بعض النصوص الخاصة بشجاعته(عليه السلام):

 

1-  ورد عن الامام علي(عليه السلام):" والذي نفس ابن أبي طالب بيده،لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله"[8].

قال ابن أبي الحديد:"واعلم،أنه (عليه السلام)أقسم أن القتل أهون من حتف الأنف،وذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى به من الشجاعة الخارقة لعادة البشر،وهو (عليه السلام)يحاول أن يحض أصحابه ويحرضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه وإقدامهم على الحرب مماثلا لإقدامه على عادة الامراء في تحريض جندهم وعسكرهم،وهيهات إنما هو كما قال أبو الطيب:

       

        ****

يكلف سيف الدولة الجيش همة

وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم[9]

        ****

ويطلب عند الناس ما عند نفسه

وذلك ما لا تدعيه الضراغم[10]

        ****

 
      ليست النفوس كلها من جوهر واحد،و لا الطباع و الأمزجة كلها من نوع واحد،و هذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة والدهور المتباعدة و ما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان ـ فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا ـ ان أحدا أعطي من الشجاعة والإقدام ما أعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك،و الفرس،و العرب،و الروم وغيرهم..." [11]؟

2- قال العلامة ابن أبي جمهور الأحسائي:"روى جابر الأنصاري، قال: شهدت البصرة مع أمير المؤمنين (عليه السلام) والقوم قد جمعوا مع المرأة سبعين ألفا،فما رأيت منهزما إلا وهو يقول:هزمني علي،ولا مجروحا إلا يقول:جرحني علي ولا من يجود بنفسه إلا و هو يقول: قتلني علي،ولا كنت في الميمنة إلا سمعت صوت علي(عليه السلام)، ولا في الميسرة إلا سمعت صوت علي (عليه السلام)،ولقد مررت بطلحة ـ و هو يجود بنفسه وفي صدره نبلة ـ و قلت له:من رماك بهذه النبلة؟فقال:علي بن أبي طالب[12].

     فقلت:يا حزب بلقيس،و يا حزب إبليس!إن عليا لم يرم بالنبل و ما بيده ألا سيفه،فقال:يا جابر!أما تنظر إليه كيف يصعد في الهواء مرة،و ينزل في الأرض اخرى،و ينزل من قبل المشرق،و مرة من قبل المغرب،وجعل المشارق و المغارب بين يديه شيئا واحدا فلا يمر بفارس إلا طعنه،و لا يلقى أحدا إلا قتله أو ضربه أو كبه بوجهه،أو قال:مت يا عدو الله،فيموت،فلا يفلت منه أحد"[13].

3- وقال ابن أبي الحديد في شرح قوله (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام):"لا تدعون إلى مبارزة،فإن دعيت إليها فأجب،فأن الداعي إليها باغ،والباغي مصروع[14]،" قد ذكر (عليه السلام) الحكم ثم ذكر العلة،و ما سمعنا أنه (عليه السلام) دعا إلى مبارزة قط،وإنما كان يدعى هو بعينه أو يدعى من يبارز فيخرج إليه فيقتله،دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج (عليه السلام) فقتل الوليد،واشترك هو وحمزة (عليهما السلام) في قتل عتبة،ودعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم أحد فخرج إليه فقتله،و دعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله، فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود فإنها أجل من أن يقال جليلة وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل :أيما أعظم منزلة عند الله،علي أم أبوبكر؟ فقال: ياابن أخي! والله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها تربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده.

     و قد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه، وروى قيس بن الربيع،عن أبى هارون العبدي،عن ربيعة بن مالك السعدي قال:أتيت حذيفة بن اليمان،فقلت:يا أبا عبد الله! إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصرة:إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل،فهل أنت محدثى بحديث عنه أذكره للناس؟فقال:يا ربيعة!و ما الذي تسألني عن علي،و ما الذي أحدثك عنه؟و الذي نفس حذيفة بيده،لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلى الله عليه و آله) في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا (صلى الله عليه و آله) إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الاخرى،لرجح على أعمالهم كلها...و الذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة محمد (صلى الله عليه و آله)إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة"[15].

4-  أورد العلامة الحجة،الآية المرعشي في"ملحقات الاحقاق" نص‏المقالات في شجاعته (عليه السلام) و هي:"علي أشجع الناس قلبا،علي أسد الله في أرضه،علي سيف الله في أرضه،علي قاتل الكفرة،علي صاحب لواء رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الدنيا و الآخرة،علي أسد الله الغالب، علي قاتل الفجرة، علي يقاتل على التأويل، علي أشجع العرب، علي قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين،ان لعلي الشجاعة والخلافة كما أن للنبي(صلى الله عليه و آله) الرسالة والنبوة، ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين،لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار"[16].

5- قال ابن الأثير:"كانت ضربات علي مبتكرات لا عونا،أي إن ضربته كانت بكرا يقتل بواحدة منها لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانيا،يقال:"ضربة بكر إذا كانت قاطعة لا تثنى،والعون:جمع عوان و هي في الأصل الكهلة من النساء،و يريد بها ههنا المثناة"[17].

وقال أيضا:"ومنه حديث علي:كان إذا تطاول قد،و إذا تقاصر قط،أي قطع طولا وقطع عرضا"[18].

وقال أيضا:"إن عليا حمل على عسكر المشركين فما زالوا يبقطون، أي يتعادون إلى الجبل متفرقين،بقط الرجل إذا صعد الجبل، والبقط:التفرقة"[19].

وقال  أيضا:"وفي حديث عمر أنه سأل الاسقف عن الخلفاء،فحدثه حتى انتهى إلى نعت الرابع منهم فقال:"صدأ من حديد،و يروى صدع،أراد دوام لبس الحديد لاتصال الحروب في أيام علي وما مني به من مقاتلة الخوارج والبغاة،وملابسة الامور المشكلة والخطوب المعضلة،و لذلك قال عمر:"و ادفراه تضجرا من ذلك واستفحاشا،ورواه أبو عبيد غير مهموز كأن الصدا لغة في الصدع هو اللطيف الجسم،أراد أن عليا(عليه السلام)خفيف يخف إلى الحروب و لا يكسل لشدة بأسه وشجاعته"[20].

 

 

 

 

 

 

---------------------------------------------

[1]  لقد أورد الدميري نماذج ممن قتلهم الإمام علي من أبطال العرب المشركين فراجعه: حياة الحيوان الكبرى: 249 طبعة مصر بدون تاريخ ناهيك عن المصادر التاريخية التي يطول ذكرها.

[2]  ابن أبي الحديد: 1/41.

[3]  شريف الجواهري/ مثير الأحزان: 224 النجف 1960.

[4] العقاد/ عبقرية الإمام علي: 35 بيروت 1967.

[5]  شريف الشيرواني/ الصدف: 1/33 طبعة حجرية  عام 1341هـ.

[6]  نقلاً عن جورج جرداق/الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 5/236 البحرين 2003.

[7]   ينظر: القاضي فاضل عباس الملا , الإمام علي ومنهجه بالقضاء, الناشر: العتبة العلوية المقدسة ــ قسم الشؤون الفكرية والثقافية, الطبعة: الأولى,تاريخ الطبع: 1432هـ ــ 2010م.

[8]   نهج البلاغة،الخطبة :122.

[9]  جمع خضرم بالكسرـ وهو الكبير العظيم.

[10]   جمع ضرغام،وهو الأسد.

[11]  ابن أبي الحديد:شرح نهج البلاغة, 7/301. 

[12]  كذا،والتاريخ على القول بقتل مروان له.(م).  

[13]  المجلى،ص 410. 

[14]  نهج البلاغة،الخطبة ,233.

[15]  ابن أبى الحديد:شرح نهج البلاغة, 19/60.

فى«بحر المعارف:سئل الصادق (عليه السلام) عن هذا،قال:"أنا من الثقلين".

[16]  احقاق الحق، 8/319.

[17]  ابن أثير:النهاية، 1/149. بكر.

[18]   المصدر، 4/21. قط

[19]   المصدر،1/ 145. بقط.

[20]  ابن أثير:النهاية،3/15, صد. ينظر: أحمد الرحماني الهمداني, الإمام على بن أبى طالب (عليه السلام) من حبه عنوان الصحيفة.